فخر الدين الرازي

17

تفسير الرازي

مِنْهَا الاَْذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ ) * . أخبر الله تعالى بشنيع مقالتهم فقال : * ( هم الذين يقولون ) * كذا وكذا : * ( وينفضوا ) * أي يتفرقوا ، وقرئ : * ( ينفضوا ) * من أنفض القوم إذا فنيت أزوادهم ، قال المفسرون : اقتتل أجير عمر مع أجير عبد الله بن أبي في بعض الغزوات فأسمع أجير عمر عبد الله بن أبي المكروه واشتد عليه لسانه ، فغضب عبد الله وعنده رهط من قومه فقال : أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ، يعني بالأعز نفسه وبالأذل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أقبل على قومه فقال : لو أمسكتم النفقة عن هؤلاء يعني المهاجرين لأوشكوا أن يتحولوا عن دياركم وبلادكم فلا تنفقوا عليهم حتى ينفضوا من حول محمد فنزلت ، وقرئ : * ( ليخرجن ) * بفتح الياء ، وقرأ الحسن وابن أبي عيلة : * ( لنخرجن ) * بالنون ونصب الأعز والأذل ، وقوله تعالى : * ( ولله خزائن السماوات والأرض ) * قال مقاتل : يعني مفاتيح الرزق والمطر والنبات ، والمعنى أن الله هو الرزاق : * ( قل من يرزقكم من السماء والأرض ) * ( يونس : 31 ) وقال أهل المعاني : خزائن الله تعالى مقدوراته لأن فيها كل ما يشاء مما يريد إخراجه ، وقال الجنيد : خزائن الله تعالى في السماوات الغيوب وفي الأرض القلوب وهو علام الغيوب ومقلب القلوب ، وقوله تعالى : * ( ولكن المنافقين لا يفقهون ) * أي لا يفقهون أن : * ( أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون ) * ( يس : 82 ) وقوله يقولون : * ( لئن رجعنا ) * أي من تلك الغزوة وهي غزوة بني المصطلق إلى المدينة فرد الله تعالى عليه وقال : * ( ولله العزة ) * أي الغلبة والقوة ولمن أعزه الله وأيده من رسوله ومن المؤمنين وعزهم بنصرته إياهم وإظهار دينهم على سائر الأديان وأعلم رسوله بذلك ولكن المنافقين لا يعلمون ذلك ولو علموه ما قالوا : مقالتهم هذه ، قال صاحب " الكشاف " : * ( ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ) * وهم الأخصاء بذلك كما أن المذلة والهوان للشيطان وذويه من الكافرين والمنافقين ، وعن بعض الصالحات وكانت في هيئة رثة ألست على الإسلام وهو العز الذي لا ذل معه ، والغنى الذي لا فقر معه ، وعن الحسن بن علي رضي الله عنهما أن رجلاً قال له : إن الناس يزعمون أن فيك تيهاً قال : ليس بتية ولكنه عزة فإن هذا العز الذي لا ذل معه والغنى الذي لا فقر معه ، وتلا هذه الآية قال بعض العارفين في تحقيق هذا المعنى : العزة غير الكبر ولا يحل للمؤمن أن يذل نفسه ، فالعزة معرفة الإنسان بحقيقة نفسه وإكرامها عن أن يضعها لأقسام عاجلة دنيوية كما أن الكبر جهل الإنسان بنفسه وإنزالها فوق منزلها فالعزة تشبه الكبر من حيث الصورة ، وتختلف من حيث الحقيقة كاشتباه التواضع بالضعة والتواضع محمود ، والضعة مذمومة ، والكبر مذموم ، والعزة محمودة ، ولما كانت غير مذمومة وفيها مشاكلة للكبر ، قال تعالى : * ( ذلكم بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق ) * وفيه إشارة