فخر الدين الرازي
156
تفسير الرازي
بسبب التقليد ، وأنهم إنما تخلصوا عن تلك الظلمات ببركة الاستدلال والاحتجاج . المسألة الثانية : قوله : * ( كذباً ) * بم نصب ؟ فيه وجوه أحدها : أنه وصف مصدر محذوف والتقدير أن لن تقول الإنس والجن على الله قولاً كذباً وثانيها : أنه نصب نصب المصدر لأن الكذب نوع من القول وثالثها : أن من قرأ : * ( أن لن تقوّل ) * وضع * ( كذباً ) * موضع تقوّلاً ، ولم يجعله صفة ، لأن التقوّل لا يكون إلا كذباً . النوع الخامس : - قوله تعالى : * ( وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادوهُمْ رَهَقاً ) * . * ( وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن ) * فيه قولان : الأول : وهو قول جمهور المفسرين أن الرجل في الجاهلية إذا سافر فأمسى في قفر من الأرض قال : أعوذ بسيد هذا الوادي أو بعزيز هذا المكان من شر سفهاء قومه ، فيبيت في جوار منهم حتى يصبح ، وقال آخرون : كان أهل الجاهلية إذا قحطوا بعثوا رائدهم ، فإذا وجد مكاناً فيه كلأ وماء رجع إلى أهله فيناديهم ، فإذا انتهوا إلى تلك الأرض نادوا نعوذ برب هذا الوادي من أن يصيبنا آفة يعنون الجن ، فإن لم يفزعهم أحد نزلوا ، وربما تفزعهم الجن فيهربون القول الثاني : المراد أنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الإنس أيضاً ، لكن من شر الجن ، مثل أن يقول الرجل : أعوذ برسول الله من شر جن هذا الوادي ، وأصحاب هذا التأويل إنما ذهبوا إليه ، لأن الرجل اسم الإنس لا اسم الجن ، وهذا ضعيف ، فإنه لم يقم دليل على أن الذكر من الجن لا يسمى رجلاً ، أما قوله : * ( فزادوهم رهقاً ) * قال المفسرون : معناه زادوهم إثماً وجرأة وطغياناً وخطيئة وغياً وشراً ، كل هذا من ألفاظهم ، قال الواحدي : الرهق غشيان الشيء ، ومنه قوله تعالى : * ( ولا يرهق وجوههم قتر ) * ( يونس : 26 ) وقوله : * ( ترهقها قترة ) * ( عبس : 41 ) ورجل مرهق أي يغشاه السائلون . ويقال رهقتنا الشمس إذا قربت ، والمعنى أن رجال الإنس إنما استعاذوا بالجن خوفاً من أن يغشاهم الجن ، ثم إنهم زادوا في ذلك الغشيان ، فإنهم لما تعوذوا بهم ، ولم يتعوذوا بالله استذلوهم واجترؤا عليهم فزادوهم ظلماً ، وهذا معنى قول عطاء خبطوهم وخنقوهم ، وعلى هذا القول زادوا من فعل الجن وفي الآية قول آخر وهو أن زادوا من فعل الإنس وذلك لأن الإنس لما استعاذوا بالجن فالجن يزدادون بسبب ذلك التعوذ طغياناً فيقولون : سدنا الجن والإنس ، والقول الأول هو اللائق بمساق الآية والموافق لنظمها . النوع السادس : قوله تعالى : * ( وَأَنَّهُمْ ظَنُّواْ كَمَا ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَداً ) * . اعلم أن هذه الآية والتي قبلها يحتمل أن يكونا من كلام الجن ، ويحتمل أن يكونا من جملة الوحي فإن