فخر الدين الرازي
154
تفسير الرازي
وهارون ، عن أبي عمرو * ( وحي ) * بضم الواو بغير ألف وهما لغتان يقال : وحي إليه وأوحى إليه وقرئ * ( أحي ) * بالهمز من غير واو ، وأصله وحي ، فقلبت الواو همزة كما يقال : أعد وأزن * ( وإذا الرسل أقتت ) * ( المرسلات : 11 ) وقوله تعالى : * ( أنه استمع نفر من الجن ) * فيه مسائل : المسألة الأولى : أجمعوا على أن قوله : * ( أنه استمع ) * بالفتح وذلك لأنه نائب فاعل * ( أوحي ) * فهو كقوله : * ( وأوحي إلى هذا القرآن ) * ( الأنعام : 19 ) وأجمعوا على كسر إنا في قوله : * ( إنا سمعنا ) * لأنه مبتدأ محكي بعد القول ، ثم ههنا قراءتان إحداهما : أن نحمل البواقي على الموضعين اللذين بينا أنهم أجمعوا عليهما فما كان من الوحي فتح ، وما كان من قول الجن كسر ، وكلها من قول الجن إلا الآخرين وهما قوله : * ( وأن المساجد لله ) * ( الجن : 18 ) * ( وأنه لما قام ) * ( الجن : 19 ) ، وثانيهما : فتح الكل والتقدير : فآمنا به وآمنا بأنه تعالى جد ربنا وبأنه كان يقول سفيهنا وكذا البواقي ، فإن قيل : ههنا إشكال من وجهين أحدهما : أنه يقبح إضافة الإيمان إلى بعض هذه السورة فإنه يقبح أن يقال : وآمنا بأنه كان يقول : سفيهنا على الله شططاً والثاني : وهو أنه لا يعطف على الهاء المخفوضة إلا بإظهار الخافض لا يقال : آمنا به وزيد ، بل يقال : آمنا به وبزيد والجواب : عن الإشكالين أنا إذا حملنا قوله : آمنا على معنى صدقنا وشهدنا زال الإشكالان . المسألة الثانية : * ( نفر من الجن ) * جماعة منهم ما بين الثلاثة إلى العشرة روي أن ذلك النفر كانوا يهوداً ، وذكر الحسن أن فيهم يهوداً ونصارى ومجوساً ومشركين ، ثم اعلم أن الجن حكوا أشياء : النوع الأول : مما حكوه قوله تعالى : * ( فقالوا إنا سمعنا قرآناً عجباً * يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحداً ) * أي قالوا لقومهم حين رجعوا إليهم كقوله : * ( فلما قضى ولوا إلى قومهم منذرين ) * ( الأحقاف : 29 ) ، * ( قرآناً عجباً ) * أي خارجاً عن حد أشكاله ونظائره ، و ( عجباً ) مصدر يوضع موضع العجيب ولا شك أنه أبلغ من العجيب ، * ( يهدي إلى الرشد ) * أي إلى الصواب ، وقيل : إلى التوحيد * ( فآمنا به ) * أي بالقرآن ويمكن أن يكون المراد فآمنا بالرشد الذي في القرآن وهو التوحيد * ( ولن نشرك بربنا أحداً ) * أي ولن نعود إلى ما كنا عليه من الإشراك به وهذا يدل على أن أولئك الجن كانوا من المشركين . النوع الثاني : مما ذكره الجن أنهم كما نفوا عن أنفسهم الشرك نزهوا ربهم عن الصاحبة والولد . فقالوا : * ( وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلاَ وَلَداً ) * . وفيه مسائل : المسألة الأولى : في الجد قولان : الأول : الجد في اللغة العظمة يقال : جد فلان أي عظم