فخر الدين الرازي

129

تفسير الرازي

المذمومة ، ولو كانت هذه الخصلة ضرورية حاصلة بخلق الله تعالى لما قدروا على تركها . واعلم أن الهلع لفظ واقع على أمرين : أحدهما : الحالة النفسانية التي لأجلها يقدم الإنسان على إظهار الجزع والتضرع والثاني : تلك الأفعال الظاهرة من القول والفعل الدالة على تلك الحالة النفسانية ، أما تلك الحالة النفسانية فلا شك أنها تحدث بخلق الله تعالى ، لأن من خلقت نفسه على تلك الحالة لا يمكنه إزالة تلك الحالة من نفسه ، ومن خلق شجاعاً بطلاً لا يمكنه إزالة تلك الحالة عن نفسه بل الأفعال الظاهرة من القول والفعل يمكنه تركها والإقدام عليها فهي أمور اختيارية ، أما الحالة النفسانية التي هي الهلع في الحقيقة فهي مخلوقة على سبيل الاضطرار . قوله تعالى : * ( إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً ) * . المراد من الشر والخير الفقر والغنى أو المرض والصحة ، فالمعنى أنه إذا صار فقيراً أو مريضاً أخذ في الجزع والشكاية ، وإذا صار غنياً أو صحيحاً أخذ في منع المعروف وشح بماله ولم يلتفت إلى الناس ، فإن قيل : حاصل هذا الكلام أنه نفور عن المضار طالب للراحة ، وهذا هو اللائق بالعقل فلم ذمه الله عليه ؟ قلنا : إنما ذمه عليه لأنه قاصر النظر على الأحوال الجسمانية العاجلة ، وكان من الواجب عليه أن يكون مشغولاً بأحوال الآخرة ، فإذا وقع في مرض أو فقر وعلم أنه فعل الله تعالى كان راضياً به ، لعلمه أن الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ، وإذا وجد المال والصحة صرفهما إلى طلب السعادات الأخروية ، واعلم أنه استثنى من هذه الحالة المذكورة المذمومة من كان موصوفاً بثمانية أشياء : ( 22 ) * ( إِلاَّ الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ دَآئِمُونَ ) * . أولها - قوله : * ( إلا المصلين * الذين هم على صلاتهم دائمون ) * فإن قيل : قال : * ( على صلاتهم دائمون ) * ثم : * ( على صلاتهم يحافظون ) * ( المعارج : 34 ) قلنا : معنى دوامهم عليها أن لا يتركوها في شيء من الأوقات ومحافظتهم عليها ترجع إلى الاهتمام بحالها حتى يؤتى بها على أكمل الوجوه ، وهذا الاهتمام إنما يحصل تارة بأمور سابقة على الصلاة وتارة بأمور لاحقة بها ، وتارة بأمور متراخية عنها ، أما الأمور السابقة فهو أن يكون قبل دخول وقتها متعلق القلب بدخول أوقاتها ، ومتعلق بالوضوء ، وستر العورة وطلب القبلة ، ووجدان الثوب والمكان الطاهرين ، والإتيان بالصلاة في الجماعة ، وفي المساجد المباركة ، وأن يجتهد قبل الدخول في الصلاة في تفريغ القلب عن الوساوس والالتفات إلى ما سوى الله تعالى ، وأن يبالغ في الاحتراز عن الرياء والسمعة ، وأما الأمور المقارنة فهو أن لا يلتفت يميناً ولا شمالاً ، وأن يكون حاضر القلب عند القراءة ، فاهماً للأذكار ، مطلعاً على حكم الصلاة ، وأما الأمور المتراخية فهي أن لا يشتغل بعد إقامة الصلاة باللغو واللهو واللعب ، وأن يحترز كل