فخر الدين الرازي

115

تفسير الرازي

السؤال الثاني : سلك السلسلة فيهم معقول ، أما سلكهم في السلسلة فما معناه ؟ الجواب : سلكه في السلسلة أن تلوى على جسده حتى تلتف عليه أجزاؤها وهو فيما بينها مزهق مضيق عليه لا يقدر على حركة ، وقالوا الفراء : المعنى ثم اسلكوا فيه السلسلة كما يقال : أدخلت رأسي في القلنسوة وأدخلتها في رأسي ، ويقال : الخاتم لا يدخل في إصبعي ، والإصبع هو الذي يدخل في الخاتم . السؤال الثالث : لم قال في سلسلة فاسلكوه ، ولم يقل : فاسلكوه في سلسلة ؟ الجواب : المعنى في تقديم السلسلة على السلك هو الذي ذكرناه في تقديم الجحيم على التصلية ، أي لا تسلكوه إلا في هذه السلسلة لأنها أفظع من سائر السلاسل السؤال الرابع : ذكر الأغلال والتصلية بالفاء وذكر السلك في هذه السلسة بلفظ ثم ، فما الفرق ؟ الجواب : ليس المراد من كلمة ثم تراخي المدة بل التفاوت في مراتب العذاب . واعلم أنه تعالى لما شرح هذا العذاب الشديد ذكر سببه فقال : * ( إِنَّهُ كَانَ لاَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ * وَلاَ يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ ) * . فالأول إشارة إلى فساد حال القوة العاقلة . والثاني إشارة إلى فساد حال القوة العملية ، وههنا مسائل : المسألة الأولى : قوله : * ( ولا يحض على طعام المسكين ) * فيه قولان : أحدهما : ولا يحض على بذل طعام المسكين والثاني : أن الطعام ههنا اسم أقيم مقام الإطعام كما وضع العطاء مقام الإعطاء في قوله : وبعد عطائك المائة الرتاعا المسألة الثانية : قال صاحب الكشاف قوله : * ( ولا يحض على طعام المسكين ) * فيه دليلان قويان على عظم الجرم في حرمان المساكين أحدهما : عطفه على الكفر وجعله قرينة له والثاني : ذكر الحض دون الفعل ليعلم أن تارك الحض بهذه المنزلة ، فكيف بمن يترك الفعل ! . المسألة الثالثة : دلت الآية على أن الكفار يعاقبون على ترك الصلاة والزكاة ، وهو المراد من قولنا : إنهم مخاطبون بفروع الشرائع ، وعن أبي الدرداء أنه كان يحض امرأته على تكثير المرق لأجل المساكين ، ويقول : خلعنا نصف السلسلة بالإيمان أفلا نخلع النصف الباقي ! وقيل : المراد منه منع الكفار وقولهم : * ( أنطعم من لو يشاء الله أطعمه ) * ( يس : 47 ) . ثم قال : * ( فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ ) * . أي ليس له في الآخرة حميم أي قريب يدفع عنه ويحزن عليه ، لأنهم يتحامون ويفرون منه كقوله : * ( ولا يسأل حميم حميماً ) * وكقوله : * ( ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع ) * .