فخر الدين الرازي
111
تفسير الرازي
الناصب هو الأبعد ، لكان التقدير : هاؤم كتابيه ، فكان يجب أن يقول : اقرأوه ، ونظيره * ( آتوني أفرغ عليه قطراً ) * واعلم : أن هذه الحجة ضعيفة لأن هذه الآية دلت على أن الواقع ههنا إعمال الأقرب وذلك لا نزاع فيه إنما النزاع في أنه هل يجوز إعمال الأبعد أم لا ، وليس في الآية تعرض لذلك ، وأيضاً قد يحذف الضمير لأن ظهوره يغني عن التصريح به كما في قوله : * ( والذاكرين الله كثيراً والذاكرات ) * فلم لا يجوز أن يكون ههنا كذلك ، ثم احتج الكوفيون بأن العامل الأول متقدم في الوجود على العامل الثاني ، والعامل الأول حين وجد اقتضى معمولاً لامتناع حصول العلة دون المعمول ، فصيرورة المعمول معمولاً للعامل الأول متقدم على وجود العامل الثاني ، والعامل الثاني إنما وجد بعد أن صار معمولاً للعامل الأول فيستحيل أن يصير أيضاً معمولاً للعامل الثاني ، لامتناع تعليل الحكم الواحد بعلتين ، ولامتناع تعليل ما وجد قبل بما يوجد بعد ، وهذه المسألة من لطائف النحو . المسألة الثالثة : الهاء للسكت * ( في كتابيه ) * وكذا في * ( حسابيه ، وماليه ، وسلطانيه ) * وحق هذه الهاءات أن تثبت في الوقف وتسقط في الوصل ، ولما كانت هذه الهاءات مثبتة في المصحف والمثبتة في المصحف لا بد وأن تكون مثبتة في اللفظ ، ولم يحسن إثباتها في اللفظ إلا عند الوقف ، لا جرم استحبوا الوقف لهذا السبب . وتجاسر بعضهم فأسقط هذه الهاءات عند الوصل ، وقرأ ابن محيصن بإسكان الياء بغيرها . وقرأ جماعة بإثبات الهاء في الوصل والوقف جميعاً لاتباع المصحف . المسألة الرابعة : اعلم أنه لما أوتي كتابيه بيمينه ، ثم إنه يقول : * ( هاؤم اقرأوا كتابيه ) * دل ذلك على أنه بلغ الغاية في السرور لأنه لما أعطى كتابه بيمينه علم أنه من الناجين ومن الفائزين بالنعيم ، فأحب أن يظهر ذلك لغيره حتى يفرحوا بما ناله . وقيل : يقول ذلك لأهل بيته وقرابته . ثم إنه تعالى حكى عنه أنه يقول : * ( إِنِّى ظَنَنتُ أَنِّى مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ ) * . وفيه وجوه الأول : المراد منه اليقين الاستدلالي وكل ما ثبت بالاستدلال فإنه لا ينفك من الخواطر المختلفة ، فكان ذلك شبيهاً بالظن الثاني : التقدير : إني كنت أظن أني ألاقي حسابي فيؤاخذني الله بسيئاتي ، فقد تفضل علي بالعفو ولم يؤاخذني بها فهاؤم اقرؤا كتابيه وثالثها : روي أبو هريرة أنه عليه السلام قال : " إن الرجل يؤتى به يوم القيامة ويؤتى كتابه فتظهر حسناته في ظهر كفه وتكتب سيئاته في بطن كفه فينظر إلى سيئاته فيحزن ، فيقال له : اقلب كفك فينظر فيه فيرى حسناته فيفرح ، ثم يقول : * ( هاؤم اقرؤا كتابيه ، إن ظننت - عند النظرة الأولى - أني ملاق حسابيه ) * على سبيل الشدة ، وأما الآن فقد فرح الله عني ذلك الغم ، وأما في حق الأشقياء فيكون ذلك على الضد مما ذكرنا ورابعها : ظننت : أي علمت ، وإنما أجرى مجرى العلم . لأن الظن الغالب يقام مقام العلم في