فخر الدين الرازي

106

تفسير الرازي

أو الأفعال ذات الخطأ العظيم . قوله تعالى * ( فَعَصَوْاْ رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَّابِيَةً ) * . الضمير إن كان عائداً إلى * ( فرعون ومن قبله ) * ( الحاقة : 9 ) ، فرسول ربهم هو موسى عليه السلام ، وإن كان عائداً إلى أهل المؤتفكات فرسول ربهم هو لوط ، قال الواحدي : والوجه أن يقال : المراد بالرسول كلاهما للخبر عن الأمتين بعد ذكرهما بقوله ، * ( فعصوا ) * فيكون كقوله : * ( إنا رسول رب العالمين ) * ( الشعراء : 16 ) وقوله : * ( فأخذهم أخذة رابية ) * يقال : ربا الشيء يربو إذا زاد ثم فيه وجهان الأول : أنها كانت زائدة في الشدة على عقوبات سائر الكفار كما أن أفعالهم كانت زائدة في القبح على أفعال سائر الكفار الثاني : أن عقوبة آل فرعون في الدنيا كانت متصلة بعذاب الآخرة ، لقوله : * ( أغرقوا فأدخلوا ناراً ) * ( نوح : 25 ) وعقوبة الآخرة أشد من عقوبة الدنيا ، فتلك العقوبة كأنها كانت تنمو وتربو . القصة الثالثة قصة نوح عليه السلام قوله تعالى * ( إِنَّا لَمَّا طَغَا الْمَآءُ حَمَلْنَاكُمْ فِى الْجَارِيَةِ ) * . طغى الماء على خزانه فلم يدروا كم خرج وليس ينزل من السماء قطرة قبل تلك الواقعة ولا بعدها إلا بكيل معلوم ، وسائر المفسرين قالوا : * ( طغى الماء ) * أي تجاوز حده حتى علا كل شيء وارتفع فوقه ، و * ( حملناكم ) * أي حملنا آباءكم وأنتم في أصلابهم ، ولا شك أن الذين خوطبوا بهذا هم أولاد الذين كانوا في السفينة ، وقوله : * ( في الجارية ) * يعني في السفينة التي تجري في الماء ، وهي سفينة نوح عليه السلام ، والجارية من أسماء السفينة ، ومنه قوله : * ( وله الجوارِ ) * ( الرحمان : 24 ) . * ( لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ ) * . قوله تعالى : * ( لنجعلها لكم تذكرة ) * الضمير في قوله : * ( لنجعلها ) * إلى ماذا يرجع ؟ فيه وجهان : الأول : قال الزجاج إنه عائد إلى الواقعة التي هي معلومة ، وإن كانت ههنا غير مذكورة ، والتقدير لنجعل نجاة المؤمنين وإغراق الكفرة عظة وعبرة الثاني : قال الفراء : لنجعل السفينة ، وهذا ضعيف والأول هو الصواب ، ويدل على صحته قوله : * ( وتعيها أذن واعية ) * فالضمير في قوله : * ( وتعيها ) * عائد إلى ما عاد إليه الضمير الأول ، لكن الضمير في قوله : * ( وتعيها ) * لا يمكن عوده إلى السفينة فكذا الضمير الأول . قوله تعالى : * ( وتعيها أذن واعية ) * فيه مسألتان : المسألة الأولى : يقال : لكل شيء حفظته في نفسك وعيته ووعيت العلم ، ووعيت ما قلت ويقال : لكل ما حفظته في غير نفسك : أوعيته يقال : أوعيت المتاع في الوعاء ، ومنه قول الشاعر :