فخر الدين الرازي
11
تفسير الرازي
سعر فقدمت عير والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة فسمعوا بها وخرجوا إليها ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " لو اتبع آخرهم أولهم لالتهب الوادي عليهم ناراً " قال قتادة : فعلوا ذلك ثلاث مرات ، وقوله تعالى : * ( أو لهواً ) * وهو الطبل ، وكانوا إذا أنكحوا الجواري يضربون المزامير ، فمروا يضربون ، فتركوا النبي صلى الله عليه وسلم ، وقوله : * ( انفضوا إليها ) * أي تفرقوا وقال المبرد : مالوا إليها وعدلوا نحوها ، والضمير في ( إليها ) للتجارة ، وقال الزجاج : انفضوا إليه وإليها ، ومعناهما واحد كقوله تعالى : * ( واستعينوا بالصبر والصلاة ) * ( البقرة : 45 ) واعتبر هنا الرجوع إلى التجارة لما أنها أهم إليهم ، وقوله تعالى : * ( وتركوك قائماً ) * اتفقوا على أن هذا القيام كان في الخطبة للجمعة قال جابر : ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخطبة إلا وهو قائم ، وسئل عبد الله أكان النبي يخطب قائماً أو قاعداً فقرأ : * ( وتركوك قائماً ) * وقوله تعالى : * ( قل ما عند الله خير ) * أي ثواب الصلاة والثبات مع النبي صلى الله عليه وسلم * ( خير من اللهو ومن التجارة ) * من اللهو الذي مر ذكره ، والتجارة التي جاء بها دحية ، وقوله تعالى : * ( والله خير الرازقين ) * هو من قبيل أحكم الحاكمين وأحسن الخالقين ، والمعنى إن أمكن وجود الرازقين فهو خير الرازقين ، وقيل : لفظ الرازق لا يطلق على غيره إلا بطريق المجاز ، ولا يرتاب في أن الرازق بطريق الحقيقة خير من الرازق بطريق المجاز ، وفي الآية مباحث : البحث الأول : أن التجارة واللهو من قبيل ما لا يرى أصلاً ، ولو كان كذلك كيف يصح * ( وإذا رأوا تجارة أو لهواً ) * نقول : ليس المراد إلا ما يقرب منه اللهو والتجارة ، ومثله حتى يسمع كلام الله ، إذ الكلام غير مسموع ، بل المسموع صوت يدل عليه . الثاني : كيف قال : * ( انفضوا إليها ) * وقد ذكر شيئين وقد مر الكلام فيه ، وقال صاحب " الكشاف " : تقديره إذا رأوا تجارة انفضوا إليها ، أو لهواً انفضوا إليه ، فحذف أحدهما لدلالة المذكور عليه . الثالث : أن قوله تعالى : * ( والله خير الرازقين ) * مناسب للتجارة التي مر ذكرها لا للهو ، نقول : بل هو مناسب للمجموع لما أن اللهو الذي مر ذكره كالتبع للتجارة ، لما أنهم أظهروا ذلك فرحاً بوجود التجارة كما مر ، والله أعلم بالصواب ، والحمد لله رب العالمين ، وصلاته وسلامه على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين .