فخر الدين الرازي
90
تفسير الرازي
ما كانوا يتكلمون بالعربية ، وثانيهما : وهو الأقرب أنهم أمروا بأن يقولوا قولاً دالاً على لتوبة والندم والخضوع حتى أنهم لو قالوا مكان قولهم : * ( حطة ) * اللهم إنا نستغفرك ونتوب إليك لكان المقصود حاصلاً ، لأن المقصود من التوبة ، إما القلب وإما اللسان ، أما القلب فالندم ، وأما اللسان فذكر لفظ يدل على حصول الندم في القلب وذلك لا يتوقف على ذكر لفظة بعينها . أما قوله تعالى : * ( نغفر لكم ) * فالكلام في المغفرة قد تقدم . ثم ههنا بحثان : الأول : أن قوله : * ( نغفر لكم ) * ذكره الله تعالى في معرض الامتنان ، ولو كان قبول التوبة واجباً عقلاً على ما تقوله المعتزلة لما كان الأمر كذلك ، بل كان أداء للواجب وأداء الواجب لا يجوز ذكره في معرض الامتنان . الثاني : ههنا قراءات . أحدها : قرأ أبو عمرو وابن المنادي بالنون وكسر الفاء . وثانيها : قرأ نافع بالياء وفتحها . وثالثها : قرأ الباقون من أهل المدينة وجبلة عن المفضل بالتاء وضمها وفتح الفاء ، ورابعها : قرأ الحسن وقتادة وأبو حياة والجحدري بالياء وضمها وفتح الفاء . قال القفال : والمعنى في هذه القراءات كلها واحد ، لأن الخطيئة إذا غفرها الله تعالى فقد غفرت وإذا غفرت فإنما يغفرها الله ، والفعل إذا تقدم الاسم المؤنث وحال بينه وبين الفاعل حائل جاز التذكير والتأنيث كقوله : * ( وأخذ الذين ظلموا الصيحة ) * ( هود : 67 ) والمراد من الخطيئة الجنس لا الخطيئة الواحدة بالعدد . أما قوله تعالى : * ( خطاياكم ) * ففيه قراءات ، أحدها : قرأ الجحدري " خطيئتكم " بمدة وهمزة وتاء مرفوعة بعد الهمزة على واحدة . وثانيها : الأعمش " خطيئاتكم " بمدة وهمزة وألف بعد الهمزة قبل التاء وكسر التاء . وثالثها : الحسن كذلك إلا أنه يرفع التاء ، ورابعها : الكسائي خطاياكم بهمزة ساكنة بعد الطاء قبل الياء ، وخامسها : ابن كثير بهمزة ساكنة بعد الياء وقبل الكاف . وسادسها : الكسائي بكسر الطاء والتاء ، والباقون بإمالة الياء فقط . أما قوله تعالى : * ( وسنزيد المحسنين ) * فإما أن يكون المراد من المحسن من كان محسناً بالطاعة في هذا التكليف أو من كان محسناً بطاعات أخرى في سائر التكاليف . أما على التقدير الأول : فالزيادة الموعودة يمكن أن تكون من منافع الدنيا وأن تكون من منافع الدين . أما الاحتمال الأول : وهو أن تكون من منافع الدنيا ، فالمعنى أن من كان محسناً بهذه الطاعة فإنا نزيده سعة في الدنيا ونفتح عليه قرى غير هذه القرية ، وأما الاحتمال الثاني : وهو أن تكون من منافع الآخرة ، فالمعنى أن من كان محسناً بهذه الطاعة والتوبة فإنا نغفر له خطاياه ونزيده على غفران الذنوب إعطاء الثواب الجزيل كما قال : * ( للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ) * ( يونس : 26 ) ، أي نجازيهم بالإحسان إحساناً وزيادة كما جعل الثواب للحسنة الواحدة عشراً ، وأكثر من ذلك ، وأما إن كان المراد من " المحسنين " من كان محسناً بطاعات أخرى بعد هذه التوبة ، فيكون المعنى أنا نجعل دخولكم الباب سجداً وقولكم حطة مؤثراً في غفران الذنوب ، ثم إذا أتيتم بعد ذلك بطاعات أخرى أعطيناكم