فخر الدين الرازي

86

تفسير الرازي

فكان طلبها في الدنيا مستنكراً . وثانيها : أن حكم الله تعالى أن يزيل التكليف عن العبد حال ما يرى الله فكان طلب الرؤية طلباً لإزالة التكليف وهذا على قول المعتزلة أولى ، لأن الرؤية تتضمن العلم الضروري والعلم الضروري ينافي التكليف ، وثالثها : أنه لما تمت الدلائل على صدق المدعي كان طلب الدلائل الزائدة تعنتاً والمتعنت يستوجب التعنيف ، ورابعها : لا يمتنع أن يعلم الله تعالى أن في منع الخلق عن رؤيته سبحانه في الدنيا ضرباً من المصلحة المهمة ، فلذلك استنكر طلب الرؤية في الدنيا كما علم أن في إنزال الكتاب من السماء وإنزال الملائكة من السماء مفسدة عظيمة فلذلك استنكر طلب ذلك والله أعلم . البحث الثاني : للمفسرين في الصاعقة قولان . الأول : أنها هي الموت وهو قول الحسن وقتادة واحتجوا عليه بقوله تعالى : * ( فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ) * ( الزمر : 68 ) ، وهذا ضعيف لوجوه . أحدها : قوله تعالى : * ( فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون ) * ولو كانت الصاعقة هي الموت لامتنع كونهم ناظرين إلى الصاعقة ، وثانيها : أنه تعالى قال في حق موسى : * ( وخر موسى صعقاً ) * ( الأعراف : 143 ) أثبت الصاعقة في حقه مع أنه لم يكن ميتاً لأنه قال : * ( فلما أفاق ) * والإفاقة لا تكون عن الموت بل عن الغشي ، وثالثها : أن الصاعقة وهي التي تصعق وذلك إشارة إلى سبب الموت . ورابعها : أن ورودها وهم مشاهدون لها أعظم في باب العقوبة منها إذا وردت بغتة وهم لا يعلمون . ولذلك قال : * ( وأنتم تنظرون ) * منبهاً على عظم العقوبة ، القول الثاني : وهو قول المحققين : إن الصاعقة هي سبب الموت ولذلك قال في سورة الأعراف : * ( فلما أخذتهم الرجفة ) * واختلفوا في أن ذلك السبب أي شيء كان على ثلاثة أوجه . أحدها : أنها نار وقعت من السماء فأحرقتهم . وثانيها : صيحة جاءت من السماء ، وثالثها : أرسل الله تعالى جنوداً سمعوا بخسها فخروا صعقين ميتين يوماً وليلة . أما قوله تعالى : * ( ثم بعثناكم من بعد موتكم ) * لأن البعث قد ( لا ) يكون إلا بعد الموت ، كقوله تعالى : * ( فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عدداً ، ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمداً ) * ( الكهف : 11 ، 12 ) . فإن قلت : هل دخل موسى عليه السلام في هذا الكلام ؟ قلت : لا ، لوجهين . الأول : أنه خطاب مشافهة فلا يحب أن يتناول موسى عليه السلام . الثاني : أنه لو تناول موسى لوجب تخصيصه بقوله تعالى في حق موسى : * ( فلما أفاق ) * مع أن لفظة الإفاقة لا تستعمل في الموت ، وقال ابن قتيبة : إن موسى عليه السلام قد مات وهو خطأ لما بيناه . أما قوله تعالى : * ( لعلكم تشكرون ) * فالمراد أنه تعالى إنما بعثهم بعد الموت في دار الدنيا ليكلفهم وليتمكنوا من الإيمان ومن تلافي ما صدر عنهم من الجرائم ، أما أنه كلفهم فلقوله تعالى : * ( لعلكم تشكرون ) * ولفظ الشكر يتناول جميع الطاعات لقوله تعالى : * ( اعملوا آل داود شكراً ) * ( سبأ : 13 ) ، فإن قيل : كيف يجوز أن يكلفهم وقد أماتهم ولو جاز ذلك فلم لا يجوز أن يكلف أهل الآخرة إذا بعثهم بعد الموت ؟ قلنا : الذي يمنع من تكليفهم في الآخرة ليس هو الإماتة ثم الإحياء ، وإنما يمنع من ذلك أنه قد اضطرهم يوم القيامة إلى معرفته وإلى معرفة ما في الجنة من اللذات