فخر الدين الرازي

78

تفسير الرازي

الباطل ، فالمراد من الفرقان بعض ما في التوراة وهو بيان أصول الدين وفروعه . وأما تقرير الاحتمال الثالث فمن وجوه ، أحدها : أن يكون المراد من الفرقان ما أوتي موسى عليه السلام من اليد والعصا وسائر الآيات وسميت بالفرقان لأنها فرقت بين الحق والباطل . وثانيها : أن يكون المراد من الفرقان النصر والفرج الذي آتاه الله بني إسرائيل على قوم فرعون ، قال تعالى : * ( وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان ) * ( الأنفال : 41 ) والمراد النصر الذي آتاه الله يوم بدر ، وذلك لأن قبل ظهور النصر يتوقع كل واحد من الخصمين في أن يكون هو المستولي وصاحبه هو المقهور ، فإذا ظهر النصر تميز الراجح من المرجوح وانفرق الطمع الصادق من الطمع الكاذب ، وثالثها : قال قطرب الفرقان هو انفراق البحر لموسى عليه السلام . فإن قلت : فهذا قد صار مذكوراً في قوله تعالى : * ( وإذا فرقنا بكم البحر ) * ( البقرة : 50 ) وأيضاً فقوله تعالى بعد ذلك : * ( لعلكم تهتدون ) * لا يليق إلا بالكتاب لأن ذلك لا يذكر إلا عقيب الهدى . قلت : الجواب عن الأول أنه تعالى لم يبين في قوله تعالى : * ( وإذ فرقنا بكم البحر ) * أن ذلك كان لأجل موسى عليه السلام ، وفي هذه الآية بين ذلك التخصيص على سبيل التنصيص ، وعن الثاني أن فرق البحر كان من الدلائل فلعل المراد أنا لما آتينا موسى فرقان البحر استدلوا بذلك على وجود الصانع ، وصدق موسى عليه السلام وذلك هو الهداية وأيضاً فالهدى قد يراد به الفوز والنجاة كما يراد به الدلالة ، فكأنه تعالى بين أنه آتاهم الكتاب نعمة في الدين والفرقان الذي حصل به خلاصهم من الخصم نعمة عاجلة . واعلم أن من الناس من غلط فظن أن الفرقان هو القرآن ، وأنه أنزل على موسى عليه السلام وذلك باطل لأن الفرقان هو الذي يفرق بين الحق والباطل وكل دليل كذلك فلا وجه لتخصيص هذا اللفظ بالقرآن . وقال آخرون : المعنى : * ( وإذ آتينا موسى الكتاب ) * يعني التوراة وآتينا محمداً صلى الله عليه وسلم الفرقان لكي تهتدوا به يا أهل الكتاب . وقد مال إلى هذا القول من علماء النحو الفراء وثعلب وقطرب وهذا تعسف شديد من غير حاجة البتة إليه . وأما قوله تعالى : * ( لعلكم تهتدون ) * فقد تقدم تفسير لعل وتفسير الاهتداء ، واستدلت المعتزلة بقوله : * ( لعلكم تهتدون ) * على أن الله تعالى أراد الاهتداء من الكل وذلك يبطل قول من قال : أراد الكفر من الكافر ، وأيضاً فإذا كان عندهم أنه تعالى : يخلق الاهتداء ، فيمن يهتدي والضلال فيمن يضل ، فما الفائدة في أن ينزل الكتاب والفرقان ويقول : * ( لعلكم تهتدون ) * ومعلوم أن الاهتداء إذا كان يخلقه ، فلا تأثير لإنزال الكتب فيه لو خلق الاهتداء ولا كتاب لحصل الاهتداء ، ولو أنزل بدلاً من الكتاب الواحد ألف كتاب ولم يخلق الاهتداء فيهم لما حصل الاهتداء ، فكيف يجوز أن يقول أنزلت الكتاب لكي تهتدوا ؟ واعلم أن هذا الكلام قد تقدم مراراً لا تحصى مع الجواب والله أعلم .