فخر الدين الرازي
70
تفسير الرازي
العز إلا أنهم كانوا محقين وكان خصمهم مبطلاً لا جرم زال ذل المحقين وبطل عز المبطلين ، فكأنه تعالى قال : لا تغتروا بفقر محمد وقلة أنصاره في الحال ، فإنه محق لا بد وأن ينقلب العز إلى جانبه والذل إلى جانب أعدائه ، وثالثها : أن الله تعالى نبه بذلك على أن الملك بيد الله يؤتيه من يشاء ، فليس للإنسان أن يغتر بعز الدنيا بل عليه السعي في طلب عز الآخرة . أما قوله تعالى : * ( وفي ذالكم بلاء من ربكم عظيم ) * قال القفال : أصل الكلمة من الابتلاء وهو الاختيار والامتحان قال تعالى : * ( ونبلوكم بالشر والخير فتنة ) * ( الأنبياء : 35 ) وقال : * ( وبلوناهم بالحسنات والسيئات ) * ( الأعراف : 168 ) والبلوى واقعة على النوعين ، فيقال للنعمة بلاء وللمحنة الشديدة بلاء والأكثر أن يقال في الخير إبلاء وفي الشر بلاء وقد يدخل أحدهما على الآخر . قال زهير : جزى الله بالإحسان ما فعلا بكم * وأبلاهما خير البلاء الذي يبلو إذ عرفت هذا فنقول : البلاء ههنا هو المحنة إن أشير بلفظ : " ذلكم " إلى صنع فرعون والنعمة إن أشير به إلى الإنجاء وحمله على النعمة أولى لأنها هي التي صدرت من الرب تعالى ، ولأن موضع الحجة على اليهود إنعام الله تعالى على أسلافهم . * ( وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا ءَالَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ ) * هذا هو النعمة الثانية ، وقوله : * ( فرقنا ) * أي فصلنا بين بعضه وبعض حتى صارت فيه مسالك لكم وقرئ : * ( فرقنا ) * بالتشديد بمعنى فصلنا . يقال : فرق بين الشيئين وفرق بين الأشياء لأن المسالك كانت اثنتي عشرة على عدد الأسباط ، فإن قلت : ما معنى : ( بكم ) ؟ قلنا : فيها وجهان ، أحدهما : أنهم كانوا يسلكونه ويتفرق الماء عند سلوكهم فكأنما فرق بهم كما يفرق بين الشيئين بما توسط بينهما ، الثاني : فرقناه بسببكم وبسبب إنجائكم ثم ههنا أبحاث : البحث الأول : روي أنه تعالى لما أراد إغراق فرعون والقبط وبلغ بهم الحال في معلوم الله أنه لا يؤمن أحد منهم أمر موسى عليه السلام بني إسرائيل أن يستعيروا حلي القبط ، وذلك لغرضين . أحدهما : ليخرجوا خلفهم لأجل المال ، والثاني : أن تبقى أموالهم في أيديهم ثم نزل جبريل عليه السلام بالعشي وقال لموسى : أخرج قومك ليلاً ، وهو المراد من قوله : * ( وأوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي ) * ( طه : 77 ) وكانوا ستمائة ألف نفس لأنهم كانوا اثني عشر سبطاً كل سبط خمسون ألفاً ، فلما خرج موسى عليه السلام ببني إسرائيل بلغ ذلك فرعون ، فقال : لا تتبعوهم حتى يصيح الديك . قال الراوي : فوالله ما صاح ليلته ديك فلما أصبحوا دعا فرعون بشاة فذبحت ثم قال : لا أفرغ من تناول كبد هذه الشاة حتى يجتمع إلي ستمائة ألف من القبط ، وقال قتادة : اجتمع إليه ألف ألف