فخر الدين الرازي
245
تفسير الرازي
تعالى : * ( قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ) * ( الجاثية : 14 ) وقوله : * ( واهجرهم هجرا جميلا ) * ( المزمل : 10 ) ولذلك لم يأمر بذلك على الدوام بل علقه بغاية فقال : * ( حتى يأتي الله بأمره ) * وذكروا فيه وجوه h ، أحدها : أنه المجازاة يوم القيامة عن الحسن ، وثانيها : أنه قوة الرسول وكثرة أمته . وثالثها : وهو قول أكثر الصحابة والتابعين ، إنه الأمر بالقتال لأن عنده يتعين أحد أمرين : إما الإسلام ، وإما الخضوع لدفع الجزية وتحمل الذل والصغار ، فلهذا قال العلماء : إن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى : * ( قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ) * ( التوبة : 29 ) وعن الباقر رضي الله عنه أنه لم يؤمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتال حتى نزل جبريل عليه السلام بقوله : * ( أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا ) * ( الحج : 39 ) وقلده سيف h فكان أول قتال قاتل أصحاب عبد الله بن جحش ببطن نخل وبعده غزوة بدر ، وههنا سؤالان : السؤال الأول : كيف يكون منسوخاً وهو معلق بغاية كقوله : * ( ثم أتموا الصيام إلى الليل ) * ( البقرة : 187 ) وإن لم يكن ورود الليل ناسخاً فكذا ههنا ، الجواب : أن الغاية التي يعلق بها الأمر إذا كانت لا تعلم إلا شرعاً لم يخرج ذلك الوارد شرعاً عن أن يكون ناسخاً ويحل محل قوله : * ( فاعفوا واصفحوا ) * إلى أن أنسخه عنكم . السؤال الثاني : كيف يعفون ويصفحون والكفار كانوا أصحاب الشوكة والقوة والصفح لا يكون إلا عن قدرة ؟ والجواب : أن الرجل من المسلمين كان ينال بالأذى فيقدر في تلك الحالة قبل اجتماع الأعداء أن يدفع عدوه عن نفسه وأن يستعين بأصحابه ، فأمر الله تعالى عند ذلك بالعفو والصفح كي لا يهيجوا شراً وقتالاً . القول الثاني : في التفسير قوله : * ( فاعفوا واصفحوا ) * حسن الاستدعاء ، واستعمل ما يلزم فيه من النصح والإشفاق والتشدد فيه ، وعلى هذا التفسير لا يجوز نسخه وإنما يجوز نسخه على التفسير الأول . أما قوله تعالى : * ( إن الله على كل شيء قدير ) * فهو تحذير لهم بالوعيد سواء حمل على الأمر بالقتال أو غيره .