فخر الدين الرازي

233

تفسير الرازي

فضعيف أيضاً لأن عمر رضي الله عنه روى أن قوله : " الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة " كان قرآناً فلعل النسخ إنما وقع به ، وتمام الكلام فيه مذكور في أصول الفقه والله أعلم . أما قوله تعالى : * ( ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير ) * فتنبيه للنبي صلى الله عليه وسلم وغيره على قدرته تعالى على تصريف المكلف تحت مشيئته وحكمه وحكمته ، وأنه لا دافع لما أراد ولا مانع لما اختار . المسألة التاسعة : استدلت المعتزلة بهذه الآية على أن القرآن مخلوق من وجوه ، أحدها : أن كلام الله تعالى لو كان قديماً لكان الناسخ والمنسوخ قديمين ، لكن ذلك محال ، لأن الناسخ يجب أن يكون متأخراً عن المنسوخ ، والمتأخر عن الشيء يستحيل أن يكون قديماً ، وأما المنسوخ فلأنه يجب أن يزول ويرتفع ، وما ثبت زواله استحال قدمه بالاتفاق ، وثانيها : أن الآية دلت على أن بعض القرآن خير من بعض ، وما كان كذلك لا يكون قديماً ، وثالثها : أن قوله : * ( ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير ) * يدل على أن المراد أنه تعالى هو القادر على نسخ بعضها والإتيان بشيء آخر بدلاً من الأول ، وما كان داخلاً تحت القدرة وكان فعلاً كان محدثاً ، أجاب الأصحاب عنه : بأن كونه ناسخاً ومنسوخاً إنما هو من عوارض الألفاظ والعبارات واللغات ولا نزاع في حدوثها ، فلم قلتم إن المعنى الحقيقي الذي هو مدلول العبارات والاصطلاحات محدث ؟ قالت المعتزلة : ذلك المعنى الذي هو مدلول العبارات واللغات لا شك أن تعلقه الأول قد زال وحدث له تعلق آخر ، فالتعلق الأول محدث لأنه زال والقديم لا يزول ، والتعلق الثاني حادث لأنه حصل بعدما لم يكن ، والكلام الحقيقي لا ينفك عن هذه التعلقات ، وما لا ينفك عن هذه التعلقات ( محدث ) وما لا ينفك عن المحدث محدث والكلام الذي تعلقت به يلزم أن يكون محدثاً . أجاب الأصحاب : أن قدرة الله كانت في الأزل متعلقة بإيجاد العالم ، فعند دخول العالم في الوجود هل بقي ذلك التعلق أو لم يبق ؟ فإن بقي يلزم أن يكون القادر قادراً على إيجاد الموجود وهو محال ، وإن لم يبق فقد زال ذلك التعلق فيلزمكم حدوث قدرة الله على الوجه الذي ذكرتموه ، وكذلك علم الله كان متعلقاً بأن العالم سيوجد ، فعند دخول العالم في الوجود إن بقي التعلق الأول كان جهلاً ، وإن لم يبق فيلزمكم كون التعلق الأول حادثاً ، لأنه لو كان قديماً لما زال ، وبكون التعلق الذي حصل بعد ذلك حادثاً فإذن عالمية الله تعالى لا تنفك عن التعلقات الحادثة ، وما لا ينفك عن المحدث محدث فعالمية الله محدثة . فكل ما تجعلونه جواباً عن العالمية والقادرية فهو جوابنا عن الكلام . المسألة العاشرة : احتجوا بقوله تعالى : * ( إن الله على كل شيء قدير ) * على أن المعدوم شيء وقد تقدم وجه تقريره فلا نعيده ، والقدير فعيل بمعنى الفاعل وهو بناء المبالغة .