فخر الدين الرازي
217
تفسير الرازي
ما قال تعالى : * ( فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه ) * وأيضاً فبتقدير أن يقال : إنهما علما هذا النوع لكن تعليم هذا النوع إنما يكون كفراً إذا قصد المعلم أن يعتقد حقيقته وكونه صواباً ، فأما أن يعلمه ليحترز عنه فهذا التعليم لا يكون كفراً ، وتعليم الملائكة كان لأجل أن يصير المكلف محترزاً عنه على ما قال تعالى حكاية عنهما : * ( وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر ) * وأما الشياطين الذين علموا الناس السحر فكان مقصودهم اعتقاد حقية هذه الأشياء فظهر الفرق . المسألة الثامنة : قرأ نافع وابن كثير وعاصم وأبو عمرو بتشديد " لكن " و " الشياطين " بالنصب على أنه اسم " لكن " والباقون " لكن " بالتخفيف و " الشياطين " بالرفع والمعنى واحد ، وكذلك في الأنفال : * ( ولكن الله رمى ) * . * ( ولكن الله قتلهم ) * ( الأنفال : 17 ) والاختيار أنه إذا كان بالواو كان التشديد أحسن ، وإذا كان بغير الواو فالتخفيف أحسن ، والوجه فيه أن " لكن " بالتخفيف يكون عطفاً فلا يحتاج إلى الواو لاتصال الكلام ، والمشددة لا تكون عطفاً لأنها تعمل عمل " إن " . أما قوله تعالى : * ( وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت ) * ففيه مسائل : المسألة الأولى : " ما " في قوله : * ( وما أنزل ) * فيه وجهان . الأول : أنه بمعنى الذي ثم هؤلاء اختلفوا فيه على ثلاثة أقوال . الأول : أنه عطف على ( السحر ) أي يعلمون الناس السحر ويعلمونهم ما أنزل على الملكين أيضاً . وثانيها : أنه عطف على قوله : * ( ما تتلوا الشياطين ) * أي واتبعوا الذي تلته الشياطين ، ومنه ما تأثيره في التفريق بين المرء وزوجه وهو الذي أنزل على الملكين فكأنه تعالى أخبر عن اليهود أنهم اتبعوا كلا الأمرين ولم يقتصروا على أحدهما ، وثالثها : أن موضعه جر عطفاً على ( ملك سليمان ) وتقديره ما تتلوا الشياطين افتراء على ملك سليمان وعلى ما أنزل على الملكين وهو اختيار أبي مسلم رحمه الله ، وأنكر في الملكين أن يكون السحر نازلاً عليهما واحتج عليه بوجوه . الأول : أن السحر لو كان نازلاً عليهما لكان منزله هو الله تعالى ، وذلك غير جائز لأن السحر كفر وعبث ولا يليق بالله إنزال ذلك ، الثاني : أن قوله : * ( ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر ) * يدل على أن تعليم السحر كفر ، فلو ثبت في الملائكة أنهم يعلمون السحر لزمهم الكفر ، وذلك باطل . الثالث : كما لا يجوز في الأنبياء أن يبعثوا لتعليم السحر فكذلك في الملائكة بطريق الأولى ، الرابع : أن السحر لا ينضاف إلا إلى الكفرة والفسقة والشياطين المردة ، وكيف يضاف إلى الله ما ينهى عنه ويتوعد عليه بالعقاب ؟ وهل السحر إلا الباطل المموه وقد جرت عادة الله تعالى بإبطاله كما قال في قصة موسى عليه السلام : * ( ما جئتم به السحر إن الله سيبطله ) * ( يونس : 81 ) ثم إنه رحمه الله سلك في تفسير الآية نهجاً آخر يخالف قول أكثر المفسرين ، فقال : كما أن الشياطين نسبوا السحر إلى ملك سليمان مع أن ملك سليمان كان مبرأ