فخر الدين الرازي
205
تفسير الرازي
به إلى ما تقدم ذكره ممن اتخذ السحر كالحرفة لنفسه وينسبه إلى سليمان ، ثم بين تعالى ما به كفروا فقد كان يجوز أن يتوهم أنهم ما كفروا أولاً بالسحر فقال تعالى : * ( يعلمون الناس السحر ) * واعلم أن الكلام في السحر يقع من وجوه . المسألة الأولى : في البحث عنه بحسب اللغة فنقول : ذكر أهل اللغة أنه في الأصل عبارة عما لطف وخفي سببه والسحر بالنصب هو الغذاء لخفائه ولطف مجاريه ، قال لبيد : ونسحر بالطعام وبالشراب قيل فيه وجهان ، أحدهما : أنا نعلل ونخدع كالمسحور المخدوع ، والآخر : نغذي وأي الوجهين كان فمعناه الخفاء وقال : فإن تسألينا فيم نحن فإننا * عصافير من هذا الأنام المسحر وهذا البيت يحتمل من المعنى ما احتمله الأول ، ويحتمل أيضاً أن يريد بالمسحر أنه ذو سحر ، والسحر هو الرئة ، وما تعلق بالحلقوم وهذا أيضاً يرجع إلى معنى الخفاء ومنه قول عائشة رضي الله عنها : " توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم بين سحري ونحري " ، وقوله تعالى : * ( إنما أنت من المسحرين ) * ( الشعراء : 153 ) ، يعني من المخلوقين الذي يطعم ويشرب يدل عليه قولهم : * ( ما أنت إلا بشرا مثلنا ) * ( الشعراء : 154 ) ويحتمل أنه ذو سحر مثلنا ، وقال تعالى حكاية عن موسى عليه السلام أنه قال للسحرة : * ( ما جئتم به السحر إن الله سيبطله ) * ( يونس : 81 ) وقال : * ( فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم ) * ( الأعراف : 116 ) فهذا هو معنى السحر في أصل اللغة . المسألة الثانية : اعلم أن لفظ السحر في عرف الشرع مختص بكل أمر يخفى سببه ويتخيل على غير حقيقته ويجري مجرى التمويه والخداع ، ومتى أطلق ولم يقيد أفاد ذم فاعله . قال تعالى : * ( سحروا أعين الناس ) * ( الأعراف : 66 ) يعني موهوا عليهم حتى ظنوا أن حبالهم وعصيهم تسعى وقال تعالى : * ( يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى ) * ( طه : 66 ) وقد يستعمل مقيداً فيما يمدح ويحمد . روي أنه قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم الزبرقان بن بدر وعمرو بن الأهتم ، فقال لعمرو : خبرني عن الزبرقان ، فقال : مطاع في ناديه شديد العارضة مانع لما وراء ظهره ، فقال الزبرقان : هو والله يعلم أني أفضل منه ، فقال عمرو : إنه زمن المروءة ضيق العطن أحمق الأب لئيم الخال يا رسول الله صدقت فيهما ، أرضاني فقلت : أحسن ما علمت وأسخطني فقلت أسوأ ما علمت ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن من البيان لسحراً " فسمى النبي صلى الله عليه وسلم بعض البيان سحراً لأن صاحبه يوضح الشيء المشكل ويكشف عن حقيقته بحسن بيانه وبليغ عبارته ، فإن قيل : كيف يجوز أن يسمى ما يوضح الحق وينبئ عنه سحراً ؟ وهذا القائل إنما قصد إظهار الخفي لا إخفاء الظاهر ولفظ السحر إنما يفيد إخفاء الظاهر ؟ قلنا : إنما سماه سحراً لوجهين ، الأول : أن ذلك القدر للطفه وحسنه استمال القلوب فأشبه السحر الذي يستميل القلوب ، فمن هذا الوجه سمي سحراً ، لا من الوجه الذي ظننت