فخر الدين الرازي
188
تفسير الرازي
بيان لمكان الإشراب كقوله : * ( وإنما يأكلون في بطونهم ناراً ) * ( النساء : 10 ) . الثاني : كما أن الشرب مادة لحياة ما تخرجه الأرض فكذا تلك المحبة كانت مادة لجميع ما صدر عنهم من الأفعال . المسألة الثانية : قوله : * ( واشربوا ) * يدل على أن فاعلاً غيرهم فعل بهم ذلك ، ومعلوم أنه لا يقدر عليه سوى الله ، أجابت المعتزلة عنه من وجهين : الأول : ما أراد الله أن غيرهم فعل بهم ذلك لكنهم لفرط ولوعهم وإلفهم بعبادته أشربوا قلوبهم حبه فذكر ذلك على ما لم يسم فاعله كما يقال فلان : معجب بنفسه ، الثاني : أن المراد من أشرب أي زينة عندهم ودعاهم إليه كالسامري وإبليس وشياطين الإنس والجن . أجاب الأصحاب عن الوجهين بأن كلا الوجهين صرف اللفظ عن ظاهره وذلك لا يجوز المصير إليه إلا لدليل منفصل ، ولما أقمنا الدلائل العقلية القطعية على أن محدث كل الأشياء هو الله لم يكن بنا حاجة إلى ترك هذا الظاهر . أما قوله تعالى : * ( بكفرهم ) * فالمراد باعتقادهم التشبيه على الله وتجويزهم العبادة لغيره سبحانه وتعالى . أما قوله : * ( قل بئسما يأمركم به إيمانكم ) * ففيه مسألتان : المسألة الأولى : المراد بئسما يأمركم به إيمانكم بالتوراة لأنه ليس في التوراة عبادة العجل وإضافة الأمر إلى إيمانهم تهكم كما قال في قصة شعيب : * ( أصلاتك تأمرك ) * ( هود : 87 ) وكذلك إضافة الإيمان إليهم . المسألة الثانية : الإيمان عرض ولا يصح منه الأمر والنهي لكن الداعي إلى الفعل قد يشبه بالآمر كقوله تعالى : * ( إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ) * ( العنكبوت : 45 ) . أما قوله تعالى : * ( إن كنتم مؤمنين ) * فالمراد التشكيك في إيمانهم والقدح في صحة دعواهم . * ( قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الاَْخِرَةُ عِندَ اللَّهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ الْمَوْتَ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ * وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمينَ ) * اعلم أن هذا نوع آخر من قبائحهم وهو ادعاؤهم أن الدار الآخرة خالصة لهم من دون الناس ويدل عليه وجوه . أحدها : أنه لا يجوز أن يقال على طريق الاستدلال على الخصم إن كان كذا وكذا فافعل كذا إلا والأول مذهبه ليصح الزام الثاني عليه . وثانيها : ما حكى الله عنهم في قوله : * ( وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى ) * ( البقرة : 111 ) وفي قوله : * ( نحن أبناء الله وأحباؤه ) * ( المائدة : 18 ) وفي قوله : * ( وقالوا لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة ) * ( البقرة : 89 ) . وثالثها : اعتقادهم في أنفسهم أنهم هم المحقون لأن النسخ غير جائز في شرعهم ، وأن سائر الفرق مبطلون ، ورابعها : اعتقادهم أن