فخر الدين الرازي
181
تفسير الرازي
الشخص الموصوف بالصورة الفلانية والسيرة الفلانية سيظهره في السنة الفلانية في المكان الفلاني ، أو لم يوجد هذا الوصف على هذا الوجه ، فإن كان الأول كان القوم مضطرين إلى معرفة شهادة التوراة على صدق محمد عليه الصلاة والسلام ، فكيف يجوز على أهل التواتر إطباقهم على الكذب وإن لم يكن الوصف على هذه الصفة لم يلزم من الأوصاف المذكورة في التوراة كون محمد صلى الله عليه وسلم رسولاً ، فكيف قال الله تعالى : * ( فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به ) * ؟ والجواب : أن الوصف المذكور في التوراة كان وصفاً إجمالياً وأن محمداً صلى الله عليه وسلم لم يعرفوا نبوته بمجرد تلك الأوصاف ، بل بظهور المعجزات صارت تلك الأوصاف كالمؤكدة ، فلهذا ذمهم الله تعالى على الإنكار . المسألة الثانية : يحتمل أن يقال : كفروا به لوجوه . أحدها : أنهم كانوا يظنون أن المبعوث يكون من بني إسرائيل لكثرة من جاء من الأنبياء من بني إسرائيل وكانوا يرغبون الناس في دينه ويدعونهم إليه ، فلما بعث الله تعالى محمداً من العرب من نسل إسماعيل صلوات الله عليه ، عظم ذلك عليهم فأظهروا التكذيب وخالفوا طريقهم الأول . وثانيها : اعترافهم بنبوته كان يوجب عليهم زوال رياساتهم وأموالهم فأبوا وأصروا على الإنكار . وثالثها : لعلهم ظنوا أنه مبعوث إلى العرب خاصة فلا جرم كفروا به . المسألة الثالثة : أنه تعالى كفرهم بعد ما بين كونهم عالمين بنبوته ، وهذا يدل على أن الكفر ليس هو الجهل بالله تعالى فقط . أما قوله تعالى : * ( فلعنة الله على الكافرين ) * فالمراد الإبعاد من خيرات الآخرة ، لأن المبعد من خيرات الدنيا لا يكون ملعوناً . فإن قيل : أليس أنه تعالى ذكر في الآية المتقدمة : * ( وقولوا للناس حسناً ) * ( البقرة : 83 ) وقال : * ( ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير علم ) * ( الأنعام : 108 ) قلنا : العام قد يتطرق إليه التخصيص على أنا بينا فيما قبل أن لعن من يستحق اللعن من القول الحسن والله أعلم . * ( بِئْسَمَا اشْتَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُواْ بِمَآ أنزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَن يُنَزِّلُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَآءُو بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ ) * اعلم أن البحث عن حقيقة بئسما لا يحصل إلا في مسائل :