فخر الدين الرازي

172

تفسير الرازي

أما قوله تعالى : * ( ثم أنتم هؤلاء ) * ففيه إشكال لأن قوله : * ( أنتم ) * للحاضرين و * ( هؤلاء ) * للغائبين فكيف يكون الحاضر نفس الغائب ، وجوابه من وجوه ، أحدها : تقديره ثم أنتم يا هؤلاء ، وثانيها : تقديره ثم أنتم أعني هؤلاء الحاضرين ، وثالثها : أنه بمعنى الذي وصلته " تقتلون " وموضع تقتلون رفع إذا كان خبراً ولا موضع له إذا كان صلة . قال الزجاج : ومثله في الصلة قوله تعالى : * ( وما تلك بيمينك يا موسى ) * ( طه : 17 ) يعني وما تلك التي بيمينك ، ورابعها : هؤلاء تأكيد لأنتم ، والخبر " تقتلون " ، وأما قوله تعالى : * ( تقتلون أنفسكم ) * فقد ذكرنا فيه الوجوه ، وأصحها أن المراد يقتل بعضكم بعضاً ، وقتل البعض للبعض قد يقال فيه إنه قتل للنفس إذ كان الكل بمنزلة النفس الواحدة وبينا المراد بالإخراج من الديار ما هو . أما قوله تعالى : * ( تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان ) * ففيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ عاصم وحمزة والكسائي " تظاهرون " بتخفيف الظاء ، والباقون بالتشديد فوجه التخفيف الحذف لإحدى التاءين كقوله : * ( ولا تعاونوا ) * ووجه التشديد إدغام التاء في الظاء ، كقوله تعالى : * ( أثاقلتم ) * ( التوبة : 38 ) والحذف أخف والادغام أدل على الأصل . المسألة الثانية : اعلم أن التظاهر هو التعاون ، ولما كان الإخراج من الديار وقتل البعض بعضاً مما تعظم به الفتنة واحتيج فيه إلى اقتدار وغلبة بين الله تعالى أنهم فعلوه على وجه الاستعانة بمن يظاهرهم على الظلم والعدوان . المسألة الثالثة : الآية تدل على أن الظلم كما هو محرم فكذا إعانة الظالم على ظلمه محرمة ، فإن قيل : أليس أن الله تعالى لما أقدر الظالم على الظلم وأزال العوائق والموانع وسلط عليه الشهوة الداعية إلى الظلم كان قد أعانه على الظلم ، فلو كانت إعانة الظالم على ظلمه قبيحة لوجب أن لا يوجد ذلك من الله تعالى ، والجواب : أنه تعالى وإن مكن الظالم من ذلك فقد زجره عن الظلم بالتهديد والزجر ، بخلاف المعين للظالم على ظلمه فإنه يرغبه فيه ويحسنه في عينه ويدعوه إليه فظهر الفرق . المسألة الرابعة : الآية لا تدل على أن قدر ذنب المعين مثل قدر ذنب المباشر ، بل الدليل دل على أنه دونه لأن الإعانة لو حصلت بدون المباشرة لما أثرت في حصول الظلم ولو حصلت المباشرة بدون الإعانة لحصل الضرر والظلم ، فعلمنا أن المباشرة أدخل في الحرمة من الإعانة . أما قوله تعالى : * ( وإن يأتوكم أسارى تفادوهم ) * ففيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ نافع وعاصم والكسائي : ( أسارى تفادوهم ) بالألف فيهما ، وقرأ حمزة وحده بغير ألف فيهما والباقون : " أسارى " بالألف و " تفدوهم " بغير ألف و " الأسرى " جمع أسير كجريح وجرحى ، وفي أسارى قولان : أحدهما : أنه جمع أسرى كسكرى وسكارى ، والثاني : جمع أسير ، وفرق أبو عمرو بين الأسرى والأسارى ، وقال : الأسارى الذين في وثاق ، والأسرى الذين في اليد ، كأنه يذهب إلى أن أسارى أشد مبالغة ، وأنكر ثعلب ذلك ، وقال