فخر الدين الرازي

131

تفسير الرازي

له ربه ، وذلك لأن الله سبحانه وتعالى خلق فيه الحياة والعقل والإدراك ، وهذا غير مستبعد في قدرة الله ، ونظيره قوله تعالى : * ( وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا ، قالوا : أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء ) * ( فصلت : 21 ) ، فكما جعل الجلد ينطق ويسمع ويعقل ، فكذلك الجبل وصفه بالخشية ، وقال أيضاً : * ( لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله ) * ( الحشر : 21 ) ، والتقدير أنه تعالى لو جعل فيه العقل والفهم لصار كذلك ، وروي أنه حن الجزع لصعود رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر ، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما أتاه الوحي في أول المبعث وانصرف النبي صلى الله عليه وسلم إلى منزله سلمت عليه الأحجار والأشجار ، فكلها كانت تقول : السلام عليك يا رسول الله ، قالوا : فغير ممتنع أن يخلق في بعض الأحجار عقل وفهم حتى تحصل الخشية فيه ، وأنكرت المعتزلة هذا التأويل لما أن عندهم البنية واعتدال المزاج شرط قبول الحياة والعقل ، ولا دلالة لهم على اشتراط البنية إلا مجرد الاستبعاد ، فوجب أن لا يلتفت إليهم . وثالثها : قول أكثر المفسرين وهو أن الضمير عائد إلى الحجارة ، وأن الحجارة لا تعقل ولا تفهم ، وذكروا على هذا القول أنواعاً من التأويل . الأول : أن من الحجارة ما يتردى من الموضع العالي الذي يكون فيه فينزل إلى أسفل وهؤلاء الكفار مصرون على العناد والتكبر ، فكأن الهبوط من العلو جعل مثلاً للانقياد ، وقوله : * ( من خشية الله ) * ، أي ذلك الهبوط لو وجد من العاقل المختار لكان به خاشياً لله وهو كقوله : * ( فوجدا فيها جداراً يريد أن ينقض فأقامه ) * ( الكهف : 77 ) ، أي جداراً قد ظهر فيه الميلان ومقاربة السقوط ما لو ظهر مثله في حي مختار لكان مريداً للانقضاض ، ونحو هذا قول بعضهم : بخيل تضل البلق من حجراته * ترى الأكم فيه سجداً للحوافر وقول جرير : لما أتى خبر الزبير تضعضعت * سور المدينة والجبال الخشع فجعل الأول ما ظهر في الأكم من أثر الحوافر مع عدم امتناعها من دفع ذلك عن نفسها كالسجود منها للحوافر ، وكذلك الثاني : جعل ما ظهر في أهل المدينة من آثار الجزع كالخشوع . وعلى هذا الوجه تأول أهل النظر قوله تعالى : * ( تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ) * ( الإسراء : 44 ) ، وقوله تعالى : * ( ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض ) * ( النحل : 49 ) الآية ، وقوله تعالى : * ( والنجم والشجر يسجدان ) * ( الرحمن : 6 ) . الوجه الثاني : في التأويل : أن قوله تعالى : * ( من خشية الله ) * أي ومن الحجارة ما ينزل وما ينشق ويتزايل بعضه عن بعض ، عند الزلازل من أجل ما يريد الله بذلك من خشية عباده له وفزعهم إليه بالدعاء والتوبة . وتحقيقه أنه لما كان المقصود الأصلي من إهباط الأحجار في الزلازل الشديدة أن تحصل خشية الله تعالى في قلوب العباد صارت تلك الخشية كالعلة المؤثرة في حصول ذلك الهبوط ، فكلمة " من " لابتداء الغاية فقوله : * ( من خشية الله ) * ، أي بسبب أن تحصل خشية الله في القلوب ، الوجه الثالث : ما ذكره الجبائي وهو أنه فسر الحجارة بالبرد الذي يهبط من السحاب تخويفاً من الله تعالى لعباده ليزجرهم به . قال وقوله تعالى :