فخر الدين الرازي
124
تفسير الرازي
فيه أن الدرء هو الدفع . فالمتخاصمون إذا تخاصموا فقد دفع كل واحد منهم عن نفسه تلك التهمة ، ودفع كل واحد منهم حجة صاحبه عن تلك الفعلة ، ودفع كل واحد منهم حجة صاحبه في إسناد تلك التهمة إلى غيره وحجة صاحبه في براءته عنه ، قال القفال : والكناية في ( فيها ) للنفس ، أي فاختلفتم في النفس ويحتمل في القتلة لأن قوله : * ( قتلتم ) * يدل على المصدر . أما قوله تعالى : * ( والله مخرج ما كنتم تكتمون ) * أي مظهر لا محالة ما كتمتم من أمر القتل . فإن قيل : كيف اعمل " مخرج " وهو في معنى المضي ؟ قلنا : قد حكى ما كان مستقبلاً في وقت التدارء كما حكى الحاضر في قوله : * ( باسط ذراعيه ) * ( الكهف : 18 ) وهذه الجملة اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه وهما " ادارأتم ، فقلنا " ثم فيه مسائل : المسألة الأولى : قالت المعتزلة قوله : * ( والله مخرج ما كنتم تكتمون ) * أي لا بد وأن يفعل ذلك وإنما حكم بأنه لا بد وأن يفعل ذلك ، لأن الاختلاف والتنازع في باب القتل يكون سبباً للفتن والفساد والله لا يحب الفساد فلأجل هذا قال : لا بد وأن يزيل هذا الكتمان ليزول ذلك الفساد ، فدل ذلك على أنه سبحانه لا يريد الفساد ولا يرضى به ولا يخلقه . المسألة الثانية : الآية تدل على أنه تعالى عالم بجميع المعلومات وإلا لما قدر على إظهار ما كتموه . المسألة الثالثة : تدل الآية على أن ما يسره العبد من خير أو شر ودام ذلك منه فإن الله سيظهره . قال عليه الصلاة والسلام : " إن عبداً لو أطاع الله من وراء سبعين حجاباً لأظهر الله ذلك على ألسنة الناس " وكذلك المعصية . وروي أن الله تعالى أوحى إلى موسى عليه السلام : " قل لبني إسرائيل يخفون إلى أعمالهم وعلي أن أظهرها لهم " . المسألة الرابعة : دلت الآية على أنه يجوز ورود العام لإرادة الخاص لأن قوله : * ( ما كنتم تكتمون ) * يتناول كل المكتومات ثم إن الله تعالى أراد هذه الواقعة . أما قوله تعالى : * ( فقلنا اضربوه ببعضها ) * ففيه مسائل : المسألة الأولى : المروي عن ابن عباس أن صاحب بقرة بني إسرائيل طلبها أربعين سنة حتى وجدها ، ثم ذبحت إلا أن هذه الرواية على خلاف ظاهر القرآن لأن الفاء في قوله تعالى : * ( فقلنا اضربوه ببعضها ) * للتعقيب ، وذلك يدل على أن قوله : * ( اضربوه ببعضها ) * حصل عقيب قوله تعالى : * ( إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة ) * . المسألة الثانية : الهاء في قوله تعالى : * ( اضربوه ) * ضمير وهو إما أن يرجع إلى النفس وحينئذ يكون التذكير على تأويل الشخص والإنسان وإما إلى القتيل وهو الذي دل عليه قوله : * ( ما كنتم تكتمون ) * . المسألة الثالثة : يجوز أن يكون الله تعالى إنما أمر بذبح البقرة ، لأنه تعلق بذبحها مصلحة