فخر الدين الرازي
106
تفسير الرازي
الحفظ كالودائع بل المراد أن أجرهم متيقن جار مجرى الحاصل عند ربهم . وأما قوله تعالى : * ( ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) * فقيل : أراد زوال الخوف والحزن عنهم في الدنيا ومنهم من قال في الآخرة في حال الثواب ، وهذا أصح لأن قوله : * ( ولا خوف عليهم ) * عام في النفي ، وكذلك : * ( ولا هم يحزنون ) * وهذه الصفة لا تحصل في الدنيا وخصوصاً في المكلفين لأنهم في كل وقت لا ينفكون من خوف وحزن ، إما في أسباب الدنيا وإما في أمور الآخرة ، فكأنه سبحانه وعدهم في الآخرة بالأجر ، ثم بين أن من صفة ذلك الأجر أن يكون خالياً عن الخوف والحزن ، وذلك يوجب أن يكون نعيمهم دائماً لأنهم لو جوزوا كونه منقطعاً لاعتراهم الحزن العظيم . فإن قال قائل : إن الله تعالى ذكر هذه الآية في سورة المائدة هكذا : * ( إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) * ( المائدة : 69 ) وفي سورة الحج : * ( إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله على كل شيء شهيد ) * ( الحج : 17 ) فهل في اختلاف هذه الآيات بتقديم الصنوف وتأخيرها ورفع " الصابئين " في آية ونصبها في أخرى فائدة تقتضي ذلك ؟ والجواب : لما كان المتكلم أحكم الحاكمين فلا بد لهذه التغييرات من حكم وفوائد ، فإن أدركنا تلك الحكم فقد فزنا بالكمال وإن عجزنا أحلنا القصور على عقولنا لا على كلام الحكيم والله أعلم . * ( وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * ثُمَّ تَوَلَّيْتُم مِّن بَعْدِ ذلِكَ فَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ ) * اعلم أن هذا هو الإنعام العاشر وذلك لأنه تعالى إنما أخذ ميثاقهم لمصلحتهم فصار ذلك من إنعامه عليهم : أما قوله تعالى : * ( وإذ أخذنا ميثاقكم ) * ففيه بحثان : الأول : اعلم أن الميثاق إنما يكون بفعل الأمور التي توجب الانقياد والطاعة ، والمفسرون ذكروا في تفسير الميثاق وجوهاً ، أحدها : ما أودع الله العقول من الدلائل الدالة على وجود الصانع وحكمته والدلائل الدالة على صدق أنبيائه ورسله ، وهذا النوع من المواثيق أقوى المواثيق