فخر الدين الرازي

11

تفسير الرازي

والكلام عليه مذكور في سورة الحج على الاستقصاء ، وثالثها : قوله تعالى : * ( عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصداً ، ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم ) * ( الجن : 26 - 28 ) . قالوا : فلولا الخوف من وقوع التخليط في تبليغ الوحي من جهة الأنبياء لم يكن في الاستظهار بالرصد المرسل معهم فائدة ، والجواب : لم لا يجوز أن تكون الفائدة أن يدفع ذلك الرصد الشياطين عن إلقاء الوسوسة . أما الآيات التي تمسكوا بها في الفتيا فثلاثة ، أحدها : قوله : * ( وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث ) * ( الأنبياء : 78 ) ، وقد تكلمنا عليه في سورة الأنبياء . وثانيها : ( قوله في أسارى بدر حين فاداهم النبي صلى الله عليه وسلم * ( ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض ) * ( الأنفال : 67 ) ، فلولا أنه أخطأ في هذه الحكومة وإلا لما عوتب ، وثالثها : قوله تعالى : * ( عفا الله عنك لم أذنت لهم ) * ( التوبة : 43 ) ، والجواب عن الكل : أنا نحمله على ترك الأولى . أما الآيات التي تمسكوا بها في الأفعال فكثيرة ، أولها : قصة آدم عليه السلام ، تمسكوا بها من سبعة أوجه ، الأول : أنه كان عاصياً والعاصي لا بد وأن يكون صاحب الكبيرة ، وإنما قلنا إنه كان عاصياً لقوله تعالى : * ( وعصى آدم ربه فغوى ) * ( طه : 121 ) وإنما قلنا أن العاصي صاحب الكبيرة لوجهين : الأول : أن النص يقتضي كونه معاقباً لقوله تعالى : * ( ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم ) * ( الجن : 23 ) فلا معنى لصاحب الكبيرة إلا ذلك ، الثاني : أن صاحب الكبيرة ، الوجه الثاني في التمسك بقصة آدم أنه كان غاوياً لقوله تعالى * ( فغوى ) * العاصي اسم ذم فوجب أن لا يتناول إلا والغي ضد الرشد ، لقوله تعالى : * ( قد تبين الرشد من الغي ) * ( البقرة : 256 ) ، فجعل الغي مقابلاً للرشد ، الوجه الثالث : أنه تائب والتائب مذنب ، وإنما قلنا إنه تائب لقوله تعالى : * ( فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه ) * ( البقرة : 37 ) وقال : * ( ثم اجتباه ربه فتاب عليه ) * ( طه : 122 ) وإنما قلنا : التائب مذنب لأن التائب هو النادم على فعل الذنب ، والنادم على فعل الذنب مخبر عن كونه فاعلاً الذنب ، فإن كذب في ذلك الإخبار فهو مذنب بالكذب ، وإن صدق فيه فهو المطلوب . الوجه الرابع : أنه ارتكب المنهي عنه في قوله : * ( ألم أنهكما عن تلكما الشجرة ) * ( الأعراف : 22 ) ، * ( ولا تقربا هذه الشجرة ) * ( الأعراف : 19 ) ، وارتكاب المنهي عنه عين الذنب . الوجه الخامس : سماه ظالماً في قوله : * ( فتكونا من الظالمين ) * ( البقرة : 35 ) وهو سمى نفسه ظالماً في قوله : * ( ربنا ظلمنا أنفسنا ) * ( الأعراف : 23 ) والظالم ملعون لقوله تعالى : * ( ألا لعنة الله على الظالمين ) * ( هود : 18 ) ومن استحق اللعن كان صاحب الكبيرة . الوجه السادس : أنه اعترف بأنه لولا مغفرة الله إياه وإلا لكان خاسراً في قوله : * ( وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين ) * ( الأعراف : 23 ) ، وذلك يقتضي كونه صاحب الكبيرة . وسابعها : أنه أخرج من الجنة بسبب وسوسة الشيطان وإزلاله جزاء على ما أقدم عليه من طاعة الشيطان ، وذلك يدل على كونه صاحب الكبيرة ، ثم قالوا : هب أن كل واحد من هذه الوجوه لا يدل على كونه فاعلاً للكبيرة ، لكن مجموعها لا شك في كونه قاطعاً في الدلالة عليه ، ويجوز أن يكون كل واحد من هذه الوجوه وإن لم يدل على الشيء