فخر الدين الرازي

93

تفسير الرازي

وضعت أولاً من غير اشتقاق ، والتنكير للتكثير ، أي كثيرة كما يقال لفلان مال أي عظيم ، وقد ذكرنا وجه دلالة التنكير على التعظيم وهو أن القائل : كأنه يشير إلى أنه عظيم لا يحيط به معرفة كل أحد فتنكيره إشارة إلى أنه خارج عن أن يعرف كنهه . وقوله تعالى : * ( والنخل ذات الأكمام ) * إشارة إلى النوع الآخر من الأشجار ، لأن الأشجار المثمرة أفضل الأشجار وهي منقسمة إلى أشجار ثمار هي فواكه لا يقتات بها وإلى أشجار ثمار هي قوت وقد يتفكه بها ، كما أن الفاكهة قد يقتات بها ، فإن الجائع إذا لم يجد غير الفواكه يتقوت بها ويأكل غير متفكه بها ، وفيه مباحث : الأول : ما الحكمة في تقديم الفاكهة على القوت ؟ نقول : هو باب الابتداء بالأدنى والارتقاء إلى الأعلى ، والفاكهة في النفع دون النخل الذي منه القوت ، والتفكه وهو دون الحب الذي عليه المدار في سائر المواضع ، وبه يتغذى الأنام في جميع البلاد ، فبدأ بالفاكهة ثم ذكر النخل ثم ذكر الحب الذي هو أتم نعمة لموافقته مزاج الإنسان ، ولهذا خلقه الله في سائر البلاد وخصص النخل بالبلاد الحارة . البحث الثاني : ما الحكمة في تنكير الفاكهة وتعريف النخل ؟ وجوابه من وجوه أحدها : أن القوت محتاج إليه في كل زمان متداول في كل حين وأوان فهو أعرف والفاكهة تكون في بعض الأزمان وعند بعض الأشخاص وثانيها : هو أن الفاكهة على ما بينا ما يتفكه به وتطيب به النفس وذلك عند كل أحد بحسب كل وقت شيء ، فمن غلب عليه حرارة وعطش ، يريد التفكه بالحامض وأمثاله ، ومن الناس من يريد التفكه بالحلو وأمثاله ، فالفاكهة غير متعينة فنكرها والنخل والحب معتادان معلومان فعرفهما وثالثها : النخل وحدها نعمة عظيمة تعلقت بها منافع كثيرة ، وأما الفاكهة فنوع منها كالخوخ والإجاص مثلاً ليس فيه عظيم النعمة كما في النخل ، فقال : * ( فاكهة ) * بالتنكير ليدل على الكثرة وقد صرح بالكثرة في مواضع أخر فقال : * ( يدعون فيها بفاكهة كثيرة ) * ( ص : 51 ) وقال : * ( وفاكهة كثيرة * لا مقطوعة ولا ممنوعة ) * ( الواقعة : 32 ، 33 ) ، فالفاكهة ذكرها الله تعالى ووصفها بالكثرة صريحاً وذكرها منكرة ، لتحمل على أنها موصوفة بالكثرة اللائقة بالنعمة في النوع الواحد منها بخلاف النخل . البحث الثالث : ما الحكمة في ذكر الفاكهة باسمها لا باسم أشجارها ، وذكر النخل باسمها لا باسم ثمرها ؟ نقول : قد تقدم بيانه في سورة : يس حيث قال تعالى : * ( من نخيل وأعناب ) * ( يس : 34 ) وهو أن شجرة العنب ، وهي الكرم بالنسبة إلى ثمرتها وهي العنب حقيرة ، وشجرة النخل بالنسبة إلى ثمرتها عظيمة ، وفيها من الفوائد الكثيرة على ما عرف من اتخاذ الظروف منها والانتفاع بجمارها وبالطلع والبسر والرطب وغير ذلك ، فثمرتها في أوقات مختلفة كأنها ثمرات مختلفة ، فهي أتم نعمة بالنسبة إلى الغير من الأشجار ، فذكر النخل باسمه وذكر الفاكهة دون أشجارها ، فإن فوائد أشجارها في عين ثمارها . البحث الرابع : ما معنى : * ( ذات الأكمام ) * ؟ نقول : فيه وجهان أحدهما : الأكمام كل ما يغطي