فخر الدين الرازي

88

تفسير الرازي

كقوله تعالى : * ( كل في فلك ) * ( الأنبياء : 33 ) لا بمعنى أن الكل مجموع في فلك واحد وكقوله : * ( وكل شيء عنده بمقدار ) * ( الرعد : 8 ) وإن نظرنا إلى الله تعالى فللكل حساب واحد قدر الكل بتقدير حسبانهما بحساب ، مثاله من يقسم ميراث نفسه لكل واحد من الورثة نصيباً معلوماً بحساب واحد ، ثم يختلف الأمر عندهم فيأخذ البعض السدس والبعض كذا والبعض كذا ، فكذلك الحساب الواحد . وأما قوله : * ( والنجم والشجر يسجدان ) * ففيه أيضاً مباحث : الأول : ما الحكمة في ذكر الجمل السابقة من غير واو عاطفة ، ومن هنا ذكرها بالواو العاطفة ؟ نقول ليتنوع الكلام نوعين ، وذلك لأن من بعد النعم على غيره تارة يذكر نسقاً من غير حرف ، فيقول : فلان أنعم عليك كثيراً ، أغناك بعد فقر ، أعزك بعد ذل ، قواك بعد ضعف ، وأخرى يذكرها بحرف عاطف وذلك العاطف قد يكون واواً وقد يكون فاء وقد يكون ثم ، فيقول : فلان أكرمك وأنعم عليك وأحسن إليك ، ويقول : رباك فعلمك فأغناك ، ويقول : أعطاك ثم أغناك ثم أحوج الناس إليك ، فكذلك هنا ذكر التعديد بالنوعين جميعاً ، فإن قيل : زده بياناً وبين الفرق بين النوعين في المعنى ، قلنا : الذي يقول بغير حرف كأنه يقصد به بيان النعم الكثيرة فيترك الحرف ليستوعب الكل من غير تطويل كلام ، ولهذا يكون ذلك النوع في أغلب الأمر عند مجاوزة النعم ثلاثاً أو عندما تكون أكثر من نعمتين فإن ذكر ذلك عند نعمتين فيقول : فلان أعطاك المال وزوجك البنت ، فيكون في كلامه إشارة إلى نعم كثيرة وإنما اقتصر على النعمتين للأنموذج ، والذي يقول بحرف فكأنه يريد التنبيه على استقلال كل نعمة بنفسها ، وإذهاب توهم البدل والتفسير ، فإن قول القائل : أنعم عليك أعطاك المال هو تفسير للأول فليس في كلامه ذكر نعمتين معاً بخلاف ما إذا ذكر بحرف ، فإن قيل : إن كان الأمر على ما ذكرت فلو ذكر النعم الأول بالواو ثم عند تطويل الكلام في الآخر سردها سرداً ، هل كان أقرب إلى البلاغة ؟ وورود كلامه تعالى عليه كفاه دليلاً على أن ما ذكره الله تعالى أبلغ ، وله دليل تفصيلي ظاهر يبين ببحث وهو أن الكلام قد يشرع فيه المتكلم أولاً على قصد الاختصار فيقتضي الحال التطويل ، إما لسائل يكثر السؤال ، وإما لطالب يطلب الزيادة للطف كلام المتكلم ، وإما لغيرهما من الأسباب وقد يشرع على قصد الإطناب والتفصيل ، فيعرض ما يقتضي الاقتصار على المقصود من شغل السامع أو المتكلم وغير ذلك مما جاء في كلام الآدميين ، نقول : كلام الله تعالى فوائده لعباده لا له ففي هذه السورة ابتدأ الأمر بالإشارة إلى بيان أتم النعم إذ هو المقصود ، فأتى بما يختص بالكثرة ، ثم إن الإنسان ليس بكامل العلم يعلم مراد المتكلم إذا كان الكلام من أبناء جنسه ، فكيف إذا كان الكلام كلام الله تعالى ، فبدأ الله به على الفائدة الأخرى وإذهاب توهم البدل والتفسير والنعي على أن كل واحد منها نعمة كاملة ، فإن قيل : إذا كان كذلك فما الحكمة في تخصيص العطف بهذا الكلام والابتداء به لا بما قبله ولا بما بعده ؟ قلنا : ليكون النوعان على السواء فذكر الثمانية من النعم كتعليم القرآن وخلق الإنسان وغير ذلك أربعاً منها بغير واو وأربعاً بواو ،