فخر الدين الرازي

84

تفسير الرازي

فأعدناه ههنا لأن هذا كله كالتفصيل لما ذكرناه في الفاتحة . المسألة الثانية : * ( الرحمن ) * مبتدأ خبره الجملة الفعلية التي هي قوله : * ( علم القرآن ) * وقيل * ( الرحمن ) * ( خبر ) مبتدأ تقديره هو الرحمن ، ثم أتى بجملة بعد جملة فقال : * ( علم القرآن ) * والأول أصح ، وعلى القول الضعيف الرحمن آية . المسألة الثالثة : قوله تعالى : * ( علم القرآن ) * لا بد له من مفعول ثان فما ذلك ؟ نقول : الجواب عنه من وجهين أحدهما : قيل : علم بمعنى جعله علامة أي هو علامة النبوة ومعجزة وهذا يناسب قوله تعالى : * ( وانشق القمر ) * ( القمر : 1 ) على ما بينا أنه ذكر في أول تلك السورة معجزة من باب الهيئة وهو أنه شق مالا يشقه أحد غيره ، وذكر في هذه السورة معجزة من باب الرحمة ، وهو أنه نشر من العلوم مالا ينشره غيره ، وهو ما في القرآن ، وعلى هذا الوجه من الجواب ففيه احتمال آخر ، وهو أنه جعله بحيث يعلم فهو كقوله : * ( ولقد يسرنا القرآن للذكر ) * ( القمر : 17 ) والتعليم على هذا الوجه مجاز . يقال : إن أنفق على متعلم وأعطى أجرة على تعليمه علمه وثانيهما : أن المفعول الثاني لا بد منه وهو جبريل وغيره من الملائكة علمهم القرآن ثم أنزله على عبده كما قال تعالى : * ( نزل به الروح الأمين * على قلبك ) * ( الشعراء : 193 ، 194 ) ويحتمل أن يقال : المفعول الثاني هو محمد صلى الله عليه وسلم ، وفيه إشارة إلى أن القرآن كلام الله تعالى لا كلام محمد ، وفيه وجه ثالث : وهو أنه تعالى علم القرآن الإنسان ، وهذا أقرب ليكون الإنعام أتم والسورة مفتتحة لبيان الأعم من النعم الشاملة . المسألة الرابعة : لم ترك المفعول الثاني ؟ نقول : إشارة إلى أن النعمة في تعميم التعليم لا في تعليم شخص دون شخص ، يقال : فلان يطعم الطعام إشارة إلى كرمه ، ولا يبين من يطعمه . المسألة الخامسة : ما معنى التعليم ؟ نقوله على قولنا له مفعول ثان إفادة العلم به ، فإن قيل : كيف يفهم قوله تعالى : * ( علم القرآن ) * مع قوله : * ( وما يعلم تأويله إلا الله ) * ؟ ( آل عمران : 7 ) نقول : من لا يقف عند قوله : * ( إلا الله ) * ويعطف : * ( الراسخون ) * على الله عطف المفرد على المفرد لا يرد عليه هذا ، ومن يقف ويعطف قوله تعالى : * ( والراسخون في العلم ) * على قوله : * ( وما يعلم تأويله ) * عطف جملة على جملة يقول : إنه تعالى علم القرآن ، لأن من علم كتاباً عظيماً ووقع على ما فيه ، وفيه مواضع مشكلة فعلم ما في تلك المواضع بقدر الإمكان ، يقال : فلان يعلم الكتاب الفلاني ويتقنه بقدر وسعه ، وإن كان لم يعلم مراد صاحب الكتاب بيقين ، وكذلك القول في تعليم القرآن ، أو تقول : لا يعلم تأويله إلا الله وأما غيره فلا يعلم من تلقاء نفسه ما لم يعلم ، فيكون إشارة إلى أن كتاب الله تعالى ليس كغيره من الكتب التي يستخرج ما فيها بقوة الذكاء والعلوم . ثم قال تعالى : * ( خلق الإنسان علمه البيان ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : في وجه الترتيب وهو على وجهين أحدهما : ما ذكرنا أن المراد من علم علم الملائكة وتعليمه الملائكة قبل خلق الإنسان ، فعلم تعالى ملائكته المقربين القرآن حقيقة