فخر الدين الرازي
81
تفسير الرازي
يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص ) * ( الصف : 4 ) فأشار إلى الثبات العظيم . وقال تعالى : * ( إذا لقيتم فئة فأثبتوا ) * ( الأنفال : 45 ) فالمقاعد إذن هي المواضع التي يكون فيها المقاتل بئبات ومكث وإطلاق مقعدة على العضو الذي عليه القعود أيضاً يدل عليه ، إذا عرفت هذا الفرق بين الجلوس والقعود حصل لك فوائد منها ههنا فإنه يدل على دوام المكث وطول اللبث ، ومنها في قوله تعالى : * ( عن اليمين وعن الشمال قعيد ) * ( ق : 17 ) فإن القعيد بمعنى الجليس والنديم ، ثم إذا عرف هذا وقيل للمفسرين الظاهرين فما الفائدة في اختيار لفظ القعيد يدل لفظ الجليس مع أن الجليس أشهر ؟ يكون جوابهم أن آخر الآيات من قوله : * ( حبل الوريد ) * ( ق : 16 ) * ( ولدى عتيد ) * ( ق : 23 ) وقوله : * ( بجبار عنيد ) * ( هود : 59 ) يناسب القعيد ، ولا الجليس وإعجاز القرآن ليس في السجع ، وإذا نظرت إلى ما ذكر تبين لك فائدة جليلة معنوية حكمية في وضع اللفظ المناسب لأن القعيد دل على أنهما لا يفارقانه ويداومان الجلوس معه ، وهذا هو المعجز وذلك لأن الشاعر يختار اللفظ الفاسد لضرورة الشعر والسجع ويجعل المعنى تبعاً للفظ ، والله تعالى بين الحكمة على ما ينبغي وجاء باللفظ على أحسن ما ينبغي ، وفائدة أخرى في قوله تعالى : * ( يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس فافسحوا يفسح الله لكم وإذا قيل انشزوا فانشزوا ) * ( المجادلة : 11 ) فإن قوله : * ( فافسحوا ) * إشارة إلى الحركة ، وقوله : * ( فانشزوا ) * إشارة إلى ترك الجلوس فذكر المجلس إشارة إلى أن ذلك موضع جلوس فلا يجب ملازمته وليس بمقعد حتى لا يفارقونه . المسألة الثالثة : * ( في مقعد صدق ) * وجهان أحدهما : مقعد صدق ، أي صالح يقال : رجل صدق للصالح ورجل سوء للفاسد ، وقد ذكرناه في سورة : * ( إنا فتحنا ) * في قوله تعالى : * ( وظننتم ظن السوء ) * ( الفتح : 12 ) ، وثانيهما : الصدق المراد منه ضد الكذب ، وعلى هذا ففيه وجهان الأول : مقعد صدق من أخبر عنه وهو الله ورسوله الثاني : مقعد ناله من صدق فقال : بأن الله واحد وأن محمداً رسوله ، ويحتمل أن يقال المراد أنه مقعد لا يوجد فيه كذب لأن الله تعالى صادق ويستحيل عليه الكذب ومن وصل إليه امتنع عليه الكذب لأن مظنة الكذب الجهل والواصل إليه ، يعلم الأشياء كما هي ويستغني بفضل الله عن أن يكذب ليستفيد بكذبه شيئاً فهو مقعد صدق وكلمة * ( عند ) * قد عرفت معناها والمراد منه قرب المنزلة والشأن لا قرب المعنى والمكان ، وقوله تعالى : * ( مليك مقتدر ) * لأن القربة من الملوك لذيذة كلما كان الملك أشد اقتداراً كان المتقرب منه أشد التذاذاً وفيه إشارة إلى مخالفة معنى القرب منه من معنى القرب من الملوك ، فإن الملوك يقربون من يكون ممن يحبونه وممن يرهبونه ، مخافة أن يعصوا عليه وينحازوا إلى عدوه فيغلبونه ، والله تعالى قال : * ( مقتدر ) * لا يقرب أحداً إلا بفضله . والحمد لله وصلاته على سيدنا محمد خير خلقه وآله وصحبه وسلامه .