فخر الدين الرازي

73

تفسير الرازي

المحذور الذي في قولنا : رجل قائم ، لأنه لا يفيد فائدة ظاهرة ، وقوله : * ( كل شيء ) * يفيد ما يفيد زيد خلقناه وعمرو خلقناه مع زيادة فائدة ، ولهذا جوزوا ما أحد خير منك لأنه أفاد العموم ولم يحسن قول القائل أحد خير منك حيث لم يفد العموم . المسألة الثالثة : ما معنى القدر ؟ قلنا : فيه وجوه أحدها : المقدار كما قال تعالى : * ( وكل شيء عنده بمقدار ) * ( العرد : 8 ) وعلى هذا فكل شيء مقدر في ذاته وفي صفاته ، أما المقدر في الذات فالجسم وذلك ظاهر فيه وكذلك القائم بالجسم من المحسوسات كالبياض والسواد ، وأما الجوهر الفرد مالا مقدار له والقائم بالجوهر مالا مقدار له بمعنى الامتداد كالعلم والجهل وغيرهما ، فنقول : ههنا مقادير لا بمعنى الامتداد ، أما الجواهر الفرد فإن الاثنين منه أصغر من الثلاثة ، ولولا أن حجماً يزداد به الامتداد ، وإلا لما حصل دون الامتداد فيه ، وأما القائم بالجوهر فله نهاية وبداية ، فمقدار العلوم الحادثة والقدر المخلوقة متناهية ، وأما الصفة فلأن لكل شيء ابتدئ زماناً فله مقدار في البقاء لكون كل شيء حادثاً ، فإن قيل : الله تعالى وصف به ، ولا مقدار له ولا ابتداء لوجوده ، نقول : المتكلم إذا كان موصوفاً بصفة أو مسمى باسم ، ثم ذكر الأشياء المسماة بذلك الاسم أو الأشياء الموصوفة بتلك الصفة ، وأسند فعلاً من أفعاله إليه يخرج هو عنه ، كما يقول القائل : رأيت جميع من في هذا البيت فرأيتهم كلهم أكرمني ، ويقول ما في البيت أحد إلا وضربني أو ضربته يخرج هو عنه لا لعدم كونه مقتضى الاسم ، بل بما في التركيب من الدليل على خروجه عن الإرادة ، فكذلك قوله : * ( خلقناه ) * و * ( خالق كل شيء ) * ( الزمر : 62 ) يخرج عنه لا بطريق التخصيص ، بل بطريق الحقيقة إذا قلنا : إن التركيب وضعي ، فإن هذا التركيب لم يوضع حينئذ إلا لغير المتكلم ثانيها : القدر التقدير ، قال الله تعالى : * ( فقدرنا فنعم القادرون ) * ( المرسلات : 23 ) وقال الشاعر : وقد قدر الرحمن ما هو قادر ( c ) أي قدر ما هو مقدر ، وعلى هذا فالمعنى أن الله تعالى لم يخلق شيئاً من غير تقدير ، كما يرمي الرامي السهم فيقع في موضع لم يكن قد قدره ، بل خلق الله كما قدر بخلاف قول الفلاسفة إنه فاعل لذاته والاختلاف للقوابل ، فالذي جاء قصيراً أو صغيراً فلاستعداد مادته ، والذي جاء طويلاً أو كبيراً فلاستعداد آخر ، فقال تعالى : * ( كل شيء خلقناه بقدر ) * منا فالصغير جاز أن يكون كبيراً ، والكبير جاز خلقه صغيراً ثالثها : * ( بقدر ) * هو ما يقال مع القضاء ، يقال بقضاء الله وقدره ، وقالت الفلاسفة في القدر الذي مع القضاء : إن ما يقصد إليه فقضاء وما يلزمه فقدر ، فيقولون : خلق النار حارة بقضاء وهو مقضي به لأنها ينبغي أن تكون كذلك ، لكن من لوازمها أنها إذا تعلقت بقطن عجوز أو وقعت في قصب صعلوك تخرقه ، فهو بقدر لا بقضاء ، وهو كلام فاسد ، بل القضاء ما في العلم والقدر ما في الإرادة فقوله : * ( كل شيء خلقناه بقدر ) * أي بقدره مع إرادته ، لا على ما يقولون إنه موجب رداً على المشركين .