فخر الدين الرازي
71
تفسير الرازي
لأطعم الفقير ، فاعتقدوا أن من لوازم قدرة الله تعالى على الحوادث خلقه الهداية فيهم إن شاء ، وهذا مذهبكم أيها الأشاعرة ، والحق الصراح أن كل واحد من المسلمين الذين ذهبوا إلى المذهبين خارج عن القدرية ، ولا يصير واحد منهم قدرياً إلا إذا صار النافي نافياً للقدرة والمثبت منكراً للتكليف . المسألة الثانية : المجرمون هم المشركون ههنا كما في قوله تعالى : * ( ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم ) * ( السجدة : 12 ) وقوله : * ( يود المجرم لو يفتدي ) * ( المعارج : 11 ) وفي قوله : * ( يعرف المجرمون بسيماهم ) * ( الرحمن : 41 ) فالآية عامة ، وإن نزلت في قوم خاص . وجرمهم تكذيب الرسل والنذر بالإشراك وإنكار الحشر وإنكار قدرة الله تعالى على الإحياء بعد الإماتة ، وعلى غيره من الحوادث . المسألة الثالثة : * ( في ضلال وسعر ) * يحتمل وجوهاً ثلاثة أحدها : الجمع بين الأمرين في الدنيا أي هم في الدنيا في ضلال وجنون لا يعقلون ولا يهتدون ، وعلى هذا فقوله : * ( يسحبون ) * بيان حالهم في تلك الصورة وهو أقرب ثانيها : الجمع في الآخرة أي هم في ضلال الآخرة وسعر أيضاً . أما السعر فكونهم فيها ظاهر ، وأما الضلال فلا يجدون إلى مقصدهم أو إلى ما يصلح مقصداً وهم متحيرون سبيلاً ، فإن قيل : الصحيح هو الوجه الأخير لا غير لأن قوله تعالى : * ( يوم يسحبون ) * ظرف القول أي يوم يسحبون يقال لهم ذوقوا ، وسنبين ذلك فنقول : * ( يوم يسحبون ) * يحتمل أن يكون منصوباً بعامل مذكور أو مفهوم غير مذكور ، والاحتمال الأول له وجهان أحدهما : العامل سابق وهو معنى كائن ومستقر غير أن ذلك صار نسياً منسياً ثانيهما : العامل متأخر وهو قوله : * ( ذوقوا ) * تقديره : ذوقوا مس سقر يوم يسحب المجرمون ، والخطاب حينئذ مع من خوطب بقوله : * ( أكفاركم خير من أولئكم أم لكم براءة ) * ( القمر : 43 ) والاحتمال الثالث : أن المفهوم هو أن يقال لهم : يوم يسحبون ذوقوا ، وهذا هو المشهور ، وقوله تعالى : * ( ذوقوا ) * استعارة وفيه حكمة وهو أن الذوق من جملة الإدراكات فإن المذوق إذا لاقى اللسان يدرك أيضاً حرارته وبرودته وخشونته وملاسته ، كما يدرك سائر أعضائه الحسية ويدرك أيضاً طعمه ولا يدركه غير اللسان ، فإدراك اللسان أتم ، فإذا تأذى من نار تأذى بحرارته ومرارته إن كان الحار أو غيره لا يتأذى إلا بحرارته فإذن الذوق إدراك لمسي أتم من غيره في الملموسات فقال : * ( ذوقوا ) * إشارة إلى أن إدراكهم بالذوق أتم الإدراكات فيجتمع في العذاب شدته وإيلامه بطول مدته ودوامه ، ويكون المدرك له لا عذر له يشغله وإنما هو على أتم ما يكون من الإدراك فيحصل الألم العظيم . وقد ذكرنا أن على قول الأكثرين يقال لهم أو نقول مضمر . وقد ذكرنا أنه لا حاجة إلى الإضمار إذا كان الخطاب مع غير من قيل في حقهم : * ( إن المجرمين في ضلال ) * فإنه يصير كأنه قال : ذوقوا أيها المكذبون بمحمد صلى الله عليه وسلم مس سقر يوم يسحب المجرمون المتقدمون في النار .