فخر الدين الرازي
67
تفسير الرازي
لكن لا يزيد في حمله وحبسه وزيادته في التعذيب عند القدرة ، فهذا ترتيب في غاية الحسن . المسألة الثانية : * ( جميع ) * فيه فائدتان إحداهما الكثرة والأخرى الاتفاق ، كأنه قال : نحن كثير متفقون فلنا الانتصار ولا يقوم غير هذه اللفظة مقامها من الألفاظ المفردة ، إنما قلنا : إن فيه فائدتين لأن الجمع يدل على الجماعة بحروفه الأصلية من ج م ع وبوزنه وهو فعيل بمعنى مفعول على أنهم جمعوا جمعيتهم العصبية ، ويحتمل أن يقال : معناه نحن الكل لا خارج عنا إشارة إلى أن من اتبع النبي صلى الله عليه وسلم لا اعتداد به قال تعالى في نوح : * ( أنؤمن لك واتبعك الأرذلون ) * ( الشعراء : 111 ) * ( إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي ) * ( هود : 27 ) وعلى هذا * ( جميع ) * يكون التنوين فيه لقطع الإضافة كأنهم قالوا : نحن جمع الناس . المسألة الثالثة : ما وجه إفراد المنتصر مع أن نحن ضمير الجمع ؟ نقول : على الوجه الأول ظاهر لأنه وصف الجزء الآخر الواقع خبراً فهو كقول القائل : أنتم جنس منتصر وهم عسكر غالب والجميع كالجنس لفظه لفظ واحد ، ومعناه جمع فيه الكثرة ، وأما على الوجه الثاني فالجواب عنه من وجهين أحدهما : أن المعنى وإن كان جميع الناس لا خارج عنهم إلا من لا يعتد به ، لكن لما قطع ونون صار كالمنكر في الأصل فجاز وصفه بالمنكر نظراً إلى اللفظ فعاد إلى الوجه الأول وثانيهما : أنه خبر بعد خبر ، ويجوز أن يكون أحد الخبرين معرفة والآخرين نكرة ، قال تعالى : * ( وهو الغفور الودود * ذو العرش المجيد * فعال لما يريد ) * ( البروج : 14 - 16 ) وعلى هذا فقوله : * ( نحن جميع منتصر ) * أفرده لمجاورته * ( جميع ) * ، ويحتمل أن يقال معنى : * ( نجن جميع منتصر ) * أن جميعاً بمعنى كل واحد كأنه قال : نحن كل واحد منا منتصر ، كما تقول : هم جميعهم أقوياء بمعنى أن كل واحد منهم قوي ، وهم كلهم علماء أي كل واحد عالم فترك الجمع واختار الإفراد لعود الخبر إلى كل واحد فإنهم كانوا يقولون : كل واحد منا يغلب محمداً صلى الله عليه وسلم كما قال أبي بن خلف الجمحي وهذا فيه معنى لطيف وهو أنهم ادعوا أن كل واحد غالب ، والله رد عليهم بأجمعهم بقوله : * ( سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ) * . وهو أنهم ادعوا القوة العامة بحيث يغلب كل واحد منهم محمداً صلى الله عليه وسلم والله تعالى بين ضعفهم الظاهر الذي يعمهم جميعهم بقوله : * ( ويولون الدبر ) * وحينئذ يظهر سؤال وهو أنه قال : * ( يولون الدبر ) * ولم يقل : يولون الأدبار . وقال في موضع آخر : * ( يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون ) * ( آل عمران : 111 ) وقال : * ( ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار ) * ( الأحزاب : 15 ) وقال في موضع آخر : * ( فلا تولوهم الأدبار ) * فكيف تصحيح الإفراد وما الفرق بين المواضع ؟ نقول : أما التصحيح فظاهر لأن قول القائل : فعلوا كقوله فعل هذا وفعل ذاك وفعل الآخر . قالوا : وفي الجمع تنوب مناب الواوات التي في العطف ، وقوله : * ( يولون ) * بمثابة يول هذا