فخر الدين الرازي
57
تفسير الرازي
هو نفس الحجارة قال الله تعالى : * ( وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل ) * ( الحجر : 74 ) وقال تعالى عن الملائكة : * ( لنرسل عليهم حجار من طين ) * ( الذاريات : 33 ) فالمرسل عليهم ليس بحاصب فكيف الجواب عنه ؟ نقول : الجواب من وجوه الأول : أرسلنا عليهم ريحاً حاصباً بالحجارة التي هي الحصباء وكثر استعمال الحاصب في الريح الشديدة فأقام الصفة مقام الموصوف ، فإن قيل : هذا ضعيف من حيث اللفظ والمعنى ، أما اللفظ فلأن الريح مؤنثة قال تعالى : * ( بريح صرصر عاتية ) * ( الحاقة : 6 ) ، * ( بريح طيبة ) * ( يونس : 22 ) وقال تعالى : * ( فسخرنا له الريح تجري بأمره ) * ( ص : 36 ) وقال تعالى : * ( غدوها شهر ) * ( سبأ : 12 ) وقال تعالى في : * ( ( وأرسلنا ) الرياح لواقح ) * ( الحجر : 22 ) وما قال لقاحاً ولا لقحة ، وأما المعنى فلأن الله تعالى بين أنه أرسل عليهم حجارة من سجيل مسومة عليها علامة كل واحد وهي لا تسمى حصباء ، وكان ذلك بأيدي الملائكة لا بالريح ، نقول : تأنيث الريح ليس حقيقة ولها أصناف الغالب فيها التذكير كالإعصار ، قال تعالى : * ( فأصابها إعصار فيه نار ) * ( البقرة : 266 ) فلما كان حاصب حجارة كان كالذي فيه نار ، وأما قوله : كان الرمي بالسجيل لا بالحصباء ، وبأيدي الملائكة لا بالريح ، فنقول : كل ريح يرمي بحجارة يسمى حاصباً ، وكيف لا والسحاب الذي يأتي بالبرد يسمى حاصباً تشبيهاً للبرد بالحصباء ، فكيف لا يقال في السجيل . وأما الملائكة فإنهم حركوا الريح وهي حصبت الحجارة عليهم الجواب الثاني : المراد عذاب حاصب وهذا أقرب لتناوله الملك والحساب والريح وكل ما يفرض الجواب الثالث : قوله : * ( حاصباً ) * هو أقرب من الكل لأن قوله : * ( إنا أرسلنا ) * يدل على مرسل هو مرسل الحجارة وحاصبها ، فإن قيل : كان ينبغي أن يقول حاصبين ، نقول لما لم يذكر الموصوف رجح جانب اللفظ كأنه قال شيئاً حاصباً إذ المقصود بيان جنس العذاب لا بيان من على يده العذاب ، وهذا وارد على من قال : الريح مؤنث لأن ترك التأنيث هناك كترك علامة الجمع هنا . المسألة الثانية : ما رتب الإرسال على التكذيب بالفاء فلم يقل : ( كذبت قوم لوط بالنذر ) فأرسلنا كما قال : * ( ففتحنا أبواب السماء ) * ( القمر : 11 ) لأن الحكاية مسوقة على مساق ما تقدم من الحكايات ، فكأنه قال : * ( فكيف كان عذابي ونذر ) * ( القمر : 30 ) كما قال من قبل ثم قيل : لا علم لنا به وإنما أنت العليم فأخبرنا ، فقال : * ( إنا أرسلنا ) * . المسألة الثالثة : ما الحكمة في ترك العذاب حيث لم يقل : * ( فكيف كان عذابي ) * كما قال في الحكايات الثلاث ، نقول : لأن التكرار ثلاث مرات بالغ ، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم : " ألا هل بلغت ثلاثاً " وقال صلى الله عليه وسلم : " فنكاحها باطل باطل باطل " والإذكار تكرر ثلاث مرات فبثلاث مرار حصل التأكيد وقد بينا أنه تعالى ذكر : * ( فكيف كان عذابي ) * في حكاية نوح للتعظيم وفي حكاية ثمود للبيان وفي حكاية عاد أعادها مرتين للتعظيم والبيان جميعاً واعلم أنه تعالى ذكر : * ( فكيف كان عذابي ) * في ثلاث حكايات أربع مرات فالمرة الواحدة للإنذار ، والمرات الثلاث للإذكار ، لأن المقصود حصل بالمرة الواحدة ، وقوله تعالى : * ( فبأي آلاء ربكما تكذبان ) * ( الرحمن : 13 ) ذكره مرة للبيان وأعادها ثلاثين مرة غير المرة الأولى كما أعاد : * ( فكيف كان عذابي ونذر ) * ثلاث مرات غير المرة