فخر الدين الرازي
37
تفسير الرازي
فتحت أبواب السماء ، ولا شك أن المطر من فوق كان في غاية الهطلان . المسألة الثانية : قوله تعالى : * ( ففتحنا ) * بيان أن الله انتصر منهم وانتقم بماء لا بجند أنزله ، كما قال تعالى : * ( وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء وما كنا منزلين * إن كانت إلا صيحة واحدة ) * ( يس : 28 ، 29 ) بياناً لكمال القدرة ، ومن العجيب أنهم كانوا يطلبون المطر سنين فأهلكهم بمطلوبهم . المسألة الثالثة : الباء في قوله : * ( بماء منهمر ) * ما وجهه وكيف موقعه ؟ نقول فيه وجهان أحدهما : كما هي في قول القائل فتحت الباب بالمفتاح وتقديره هو أن يجعل كأن الماء جاء وفتح الباب وعلى هذا تفسير قول من يقول : يفتح الله لك بخير أي يقدر خيراً يأتي ويفتح الباب ، وعلى هذا ففيه لطيفة وهي من بدائع المعاني ، وهي أن يجعل المقصود مقدماً في الوجود ، ويقول كأن مقصودك جاء إلى باب مغلق ففتحه وجاءك ، وكذلك قول القائل : لعل الله يفتح برزق ، أي يقدر رزقاً يأتي إلى الباب الذي كالمغلق فيدفعه ويفتحه ، فيكون الله قد فتحه بالرزق ثانيهما : * ( فتحنا أبواب السماء ) * مقرونة * ( بماء منهمر ) * والانهمار الانسكاب والانصباب صباً شديداً ، والتحقيق فيه أن المطر يخرج من السماء التي هي السحاب خروج مترشح من ظرفه ، وفي ذلك اليوم كان يخرج خروج مرسل خارج من باب . ثم قال تعالى : * ( وَفَجَّرْنَا الاَْرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى المَآءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ ) * . وفيه من البلاغة ما ليس في قول القائل : وفجرنا عيون الأرض ، وهذا بيان التمييز في كثير من المواضع ، إذا قلت ضاق زيد ذرعاً ، أثبت مالا يثبته قولك ضاق ذرع زيد ، وفيه مسائل : المسألة الأولى : قال : * ( وفجرنا الأرض عيوناً ) * ولم يقل ففتحنا السماء أبواباً ، لأن السماء أعظم من الأرض وهي للمبالغة ، ولهذا قال : * ( أبواب السماء ) * ولم يقل : أنابيب ولا منافذ ولا مجاري أو غيرها . وأما قوله تعالى : * ( وفجرنا الأرض عيوناً ) * فهو أبلغ من قوله : وفجرنا عيون الأرض ، لأنه يكون حقيقة لا مبالغة فيه ، ويكفي في صحة ذلك القول أن يجعل في الأرض عيوناً ثلاثة ، ولا يصلح مع هذا في السماء إلا قول القائل : فأنزلنا من السماء ماء أو مياهاً ، ومثل هذا الذي ذكرناه في المعنى لا في المعجزة ، والحكمة قوله تعالى : * ( ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض ) * ( الزمر : 21 ) حيث لا مبالغة فيه ، وكلامه لا يماثل كلام الله ولا يقرب منه ، غير أني ذكرته مثلاً : * ( ولله المثل الأعلى ) * ( النحل : 60 ) . المسألة الثانية : العيون في عيون الماء حقيقة أو مجاز ؟ نقول : المشهور أن لفظ العين