فخر الدين الرازي

319

تفسير الرازي

البحث الأول : التشبيه محمول على المعنى والمراد كونوا كما كان الحواريون . الثاني : ما معنى قوله : * ( من أنصاري إلى الله ) * ؟ نقول : يجب أن يكون معناه مطابقاً لجواب الحواريين والذي يطابقه أن يكون المعنى : من عسكري متوجهاً إلى نصرة الله ، وإضافة * ( أنصاري ) * خلاف إضافة * ( أنصار الله ) * لما أن المعنى في الأول : الذين ينصرون الله ، وفي الثاني : الذين يختصون بي ويكونون معي في نصرة الله . الثالث : أصحاب عيسى قالوا : * ( نحن أنصار الله ) * وأصحاب محمد لم يقولوا هكذا ، نقول : خطاب عيسى عليه السلام بطريق السؤال فالجواب لازم ، وخطاب محمد صلى الله عليه وسلم بطريق الإلزام ، فالجواب غير لازم ، بل اللازم هو امتثال هذا الأمر ، وهو قوله تعالى : * ( كونوا أنصار الله ) * . ثم قال تعالى : * ( فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين ) * . قال ابن عباس يعني الذين آمنوا في زمن عيسى عليه السلام ، والذين كفروا كذلك ، وذلك لأن عيسى عليه السلام لما رفع إلى السماء تفرقوا ثلاث فرق ، فرقة قالوا : كان الله فارتفع ، وفرقة قالوا : كان ابن الله فرفعه إليه ، وفرقة قالوا : كان عبد الله ورسوله فرفعه إليه ، وهم المسلمون ، واتبع كل فرقة منهم طائفة من الناس ، واجتمعت الطائفتان الكافرتان على الطائفة المسلمة فقتلوهم وطردوهم في الأرض ، فكانت الحالة هذه حتى بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم ، فظهرت المؤمنة على الكافرة فذلك قوله تعالى : * ( فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم ) * ، وقال مجاهد : * ( فأصبحوا ظاهرين ) * يعني من اتبع عيسى ، وهو قول المقاتلين ، وعلى هذا القول معنى الآية : أن من آمن بعيسى ظهروا على من كفروا به فأصبحوا غالبين على أهل الأديان ، وقال إبراهيم : أصبحت حجة من آمن بعيسى ظاهرة بتصديق محمد صلى الله عليه وسلم وأن عيسى كلمة الله وروحه ، قال الكلبي : ظاهرين بالحجة ، والظهور بالحجة هو قول زيد بن علي رضي الله عنه ، والله أعلم بالصواب والحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين .