فخر الدين الرازي

305

تفسير الرازي

في نظم هذه الآيات وجه حسن معقول ، وهو أن المعاند لا يخلو من أحد أحوال ثلاثة ، إما أن يستمر عناده ، أو يرجى منه أن يترك العناد ، أو يترك العناد ويستسلم ، وقد بين الله تعالى في هذه الآيات أحوالهم ، وأمر المسلمين أن يعاملوهم في كل حالة على ما يقتضيه الحال . أما قوله تعالى : * ( قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ) * ( الممتحنة : 4 ) فهو إشارة إلى الحالة الأولى ، ثم قوله : * ( عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة ) * ( الممتحنة : 7 ) إشارة إلى الحالة الثانية ، ثم قوله : * ( يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات ) * إشارة إلى الحالة الثالثة ، ثم فيه لطيفة وتنبيه وحث على مكارم الأخلاق ، لأنه تعالى ما أمر المؤمنين في مقابلة تلك الأحوال الثلاث بالجزاء إلا بالتي هي أحسن ، وبالكلام إلا بالذي هو أليق . واعلم أنه تعالى سماهن مؤمنات لصدور ما يقتضي الإيمان وهو كلمة الشهادة منهن ، ولم يظهر منهن ما هو المنافي له ، أو لأنهن مشارفات لثبات إيمانهن بالامتحان والامتحان وهو الابتلاء بالحلف ، والحلف لأجل غلبة الظن بإيمانهن ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول للممتحنة : " بالله الذي لا إله إلا هو ما خرجت من بغض زوج ، بالله ما خرجت رغبة من أرض إلى أرض ، بالله ما خرجت التماس دنيا ، بالله ما خرجت إلا حباً لله ولرسوله " وقوله : * ( الله أعلم بإيمانهن ) * منكم والله يتولى السرائر : * ( فإن علمتموهن ) * العلم الذي هو عبارة عن الظن الغالب بالحلف وغيره ، * ( فلا ترجعوهن إلى الكفار ) * أي تردوهن إلى أزواجهن المشركين ، وقوله تعالى : * ( لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن وآتوهم ما أنفقوا ) * أي أعطوا أزواجهن مثل ما دفعوا إليهن من المهور ، وذلك أن الصلح عام الحديبية كان على أن من أتاكم من أهل مكة يرد إليهم ، ومن أتى مكة منكم لم يرد إليكم ، وكتبوا بذلك العهد كتاباً وختموه ، فجاءت سبيعة بنت الحارث الأسلمية مسلمة والنبي صلى الله عليه وسلم بالحديبية ، فأقبل زوجها مسافر المخزومي ، وقيل : صيفي بن الراهب ، فقال : يا محمد أردد علي امرأتي فإنك قد شرطت لنا شرطاً أن ترد علينا من أتاك منا ، وهذه طية الكتاب لم تجف ، فنزلت بياناً لأن الشرط إنما كان للرجال دون النساء . وعن الزهري أنه قال : إنها جاءت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط وهي عاتق ، فجاء أهلها يطلبون من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرجعها إليهم ، وكانت هربت من زوجها عمرو بن العاس ومعها أخواها عمارة والوليد ، فرد رسول الله صلى الله عليه وسلم أخويها وحبسها فقالوا : أرددها علينا ، فقال عليه السلام : " كان الشرط في الرجال دون النساء " وعن الضحاك : أن العهد كان إن يأتك منا امرأة ليست على دينك إلا رددتها إلينا ، وإن دخلت في دينك ولها زوج ردت على زوجها الذي أنفق عليها ، وللنبي صلى الله عليه وسلم من الشرط مثل ذلك ، ثم نسخ هذا الحكم وهذا العهد ، واستحلفها الرسول عليه السلام فحلفت وأعطى زوجها ما أنفق ، ثم تزوجها عمر ، وقوله تعالى : * ( ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن ) * أي مهورهن إذ المهر أجر البضع * ( ولا تمسكوا بعصم الكوافر ) * والعصمة ما يعتصم به من عهد