فخر الدين الرازي

301

تفسير الرازي

وقوله تعالى : * ( وما أملك لك من الله من شيء ) * هذا من قول إبراهيم لأبيه يقول له : ما أغنى عنك شيئاً ، ولا أدفع عنك عذاب الله إن أشركت به ، فوعده الاستغفار رجاء الإسلام ، وقال ابن عباس : كان من دعاء إبراهيم وأصحابه : * ( ربنا عليك توكلنا ) * الآية ، أي في جميع أمورنا * ( وإليك أنبنا ) * رجعنا بالتوبة عن المعصية إليك إذ المصير ليس إلا إلى حضرتك ، وفي الآية مباحث : الأول : لقائل أن يقول : * ( حتى تؤمنوا بالله وحده ) * ما الفائدة في قوله : * ( وحده ) * والإيمان به وبغيره من اللوازم ، كما قال تعالى : * ( كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ) * ( البقرة : 285 ) فنقول : الإيمان بالملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر ، من لوازم الإيمان بالله وحده ، إذ المراد من قوله : * ( وحده ) * هو وحده في الألوهية ، ولا نشك في أن الإيمان بألوهية غيره ، لا يكون إيماناً بالله ، إذ هو الإشراك في الحقيقة ، والمشرك لا يكون مؤمناً . الثاني : قوله تعالى : * ( إلا قول إبراهيم ) * استثناء من أي شيء هو ، نقول : من قوله : * ( أسوة حسنة ) * لما أنه أراد بالأسوة الحسنة قولهم الذي حق عليهم أن يأتسوا به ، ويتخذوه سنة يستنون بها . الثالث : إن كان قوله : * ( لأستغفرن لك ) * مستثنى من القول الذي سبق وهو : * ( أسوة حسنة ) * فما بال قوله : * ( وما أملك لك من الله من شيء ) * وهو غير حقيق بالاستثناء ، ألا ترى إلى قوله تعالى : * ( قل فمن يملك لكم من الله شيئاً ) * ( الفتح : 11 ) نقول : أراد الله تعالى استثناء جملة قوله لأبيه ، والقصد إلى موعد الاستغفار له وما بعده مبني عليه وتابع له ، كأنه قال : أنا استغفر لك ، وما وسعي إلا الاستغفار . الرابع : إذا قيل : بم اتصل قوله : * ( ربنا عليك توكلنا ) * نقول : بما قبل الاستثناء ، وهو من جملة الأسوة الحسنة ، ويجوز أن يكون المعنى هو الأمر بهذا القول تعليماً للمؤمنين وتتميماً لما وصاهم به من قطع العلائق بينهم وبين الكفرة ، والائتساء بإبراهيم وقومه في البراءة منهم تنبيهاً على الإنابة إلى حضرة الله تعالى ، والاستعاذة به . الخامس : إذا قيل : ما الفائدة في هذا الترتيب ؟ فنقول : فيه من الفوائد مالا يحيط به إلا هو ، والظاهر من تلك الجملة أن يقال : التوكل لأجل الإفادة ، وإفادة التوكل مفتقرة إلى التقوى قال تعالى : * ( ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ) * ( الطلاق : 2 ) والتقوى الإنابة ، إذ التقوى الاحتراز عما لا ينبغي من الأمور ، والإشارة إلى أن المرجع والمصير للخلائق حضرته المقدسة ليس إلا ، فكأنه ذكر الشيء ، وذكر عقيبه ما يكون من اللوازم لإفادة ذلك كما ينبغي ، والقراءة في * ( برآء ) * على أربعة أوجه : برآء كشركاء ، وبراء كظراف ، وبراء على إبدال الضم من الكسر كرخال ، وبراء على الوصف بالمصدر والبراء والبراءة ، مثل الطماء والطماءة .