فخر الدين الرازي

31

تفسير الرازي

وثلاثة ويعجز عن غيرها وهو قادر على الكل وثانيها : مستمر أي قوى من حبل مرير الفتل من المرة وهي الشدة وثالثها : من المرارة أي سحر مر مستبشع ورابعها : مستمر أي مار ذاهب ، فإن السحر لا بقاء له . * ( وَكَذَّبُواْ وَاتَّبَعُواْ أَهْوَآءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ ) * . ثم قال تعالى : * ( وكذبوا واتبعوا أهواءهم ) * وهو يحتمل أمرين أحدهما : وكذبوا محمداً المخبر عن اقتراب الساعة وثانيهما : كذبوا بالآية وهي انشقاق القمر ، فإن قلنا : كذبوا محمداً صلى الله عليه وسلم فقوله : * ( واتبعوا أهواءهم ) * أي تركوا الحجة وأولوا الآيات وقالوا : هو مجنون تعينه الجن وكاهن يقول : عن النجوم ويختار الأوقات للأفعال وساحر ، فهذه أهواءهم ، وإن قلنا : كذبوا بانشقاق القمر ، فقوله : * ( واتبعوا أهواءهم ) * في أنه سحر القمر ، وأنه خسوف والقمر لم يصبه شيء فهذه أهواءهم ، وكذلك قولهم في كل آية . وقوله تعالى : * ( وكل أمر مستقر ) * فيه وجوه أحدها : كل أمر مستقر على سنن الحق يثبت والباطل يزهق ، وحينئذ يكون تهديداً لهم ، وتسلية للنبي صلى الله عليه وسلم ، وهو كقوله تعالى : * ( ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم ) * ( الزمر : 7 ) أي بأنها حق ثانيها : وكل أمر مستقر في علم الله تعالى : لا يخفى عليه شيء فهم كذبوا واتبعوا أهواءهم ، والأنبياء صدقوا وبلغوا ما جاءهم ، كقوله تعالى : * ( لا يخفى على الله منهم شيء ) * ( غافر : 16 ) ، وكما قال تعالى في هذه السورة : * ( وكل شيء فعلوه في الزبر * وكل صغير وكبير مستطر ) * ( القمر : 52 ، 53 ) ، ثالثها : هو جواب قولهم : * ( سحر مستمر ) * أي ليس أمره بذاهب بل كل أمر من أموره مستقر . ثم قال تعالى : * ( وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّنَ الاَْنبَآءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ ) * . إشارة إلى أن كل ما هو لطف بالعباد قد وجد ، فأخبرهم الرسول باقتراب الساعة ، وأقام الدليل على صدقه ، وإمكان قيام الساعة عقيب دعواه بانشقاق القمر الذي هو آية لأن من يكذب بها لا يصدق بشيء من الآيات فكذبوا بها واتبعوا الأباطيل الذاهبة ، وذكروا الأقاويل الكاذبة فذكر لهم أنباء المهلكين بالآيتين تخويفاً لهم ، وهذا هو الترتيب الحكمي ، ولهذا قال بعد الآيات : * ( حكمة بالغة ) * ( القمر : 5 ) أي هذه حكمة بالغة ، والأنباء هي الأخبار العظام ، ويدلك على صدقه أن في القرآن لم يرد النبأ والأنباء إلا لما له وقع قال : * ( وجئتك من سبأ بنبأ يقين ) * ( النمل : 22 ) لأنه كان خبراً عظيماً وقال : * ( إن جاءكم فاسق بنبأ ) * ( الحجرات : 6 ) أي محاربة أو مسالمة وما يشبهه من الأمور العرفية ، وإنما يجب التثبت فيما يتعلق به حكم ويترتب عليه أمر ذو بال ، وكذلك قال تعالى : * ( ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك ) * ( آل عمران : 44 ) فكذلك الأنباء ههنا ، وقال تعالى عن موسى : * ( لعلى آتيكم منها بخبر أو جذوة ) * ( القصص : 29 ) حيث لم يكن يعلم أنه يظهر له شيء عظيم يصلح أن يقال له : نبأ