فخر الدين الرازي

299

تفسير الرازي

الثالث : قال تعالى : * ( بما أخفيتم وما أعلنتم ) * ولم يقل : بما أسررتم وما أعلنتم ، مع أنه أليق بما سبق وهو * ( تسرون ) * ، فنقول فيه من المبالغة ما ليس في ذلك ، فإن الإخفاء أبلغ من الإسرار ، دل عليه قوله : * ( يعلم السر وأخفى ) * ( طه : 7 ) أي أخفى من السر . الرابع : قال : * ( بما أخفيتم ) * قدم العلم بالإخفاء على الإعلان ، مع أن ذلك مستلزم لهذا من غير عكس . هذا بالنسبة إلى علمنا ، لا بالنسبة إلى علمه تعالى ، إذ هما سيان في علمه كما مر ، ولأن المقصود هو بيان ما هو الأخفى وهو الكفر ، فيكون مقدماً . الخامس : قال تعالى : * ( ومن يفعله منكم ) * ما الفائدة في قوله : * ( منكم ) * ومن المعلوم أن من فعل هذا الفعل * ( فقد ضل سواء السبيل ) * نقول : إذا كان المراد من * ( منكم ) * من المؤمنين فظاهر ، لأن من يفعل ذلك الفعل لا يلزم أن يكون مؤمناً . ثم إنه أخبر المؤمنين بعداوة كفار أهل مكة فقال : * ( إِن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُواْ لَكُمْ أَعْدَآءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ * لَن تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلاَ أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) * . * ( يثقفوكم ) * يظفروا بكم ويتمكنوا منكم * ( يكونوا لكم ) * في غاية العداوة ، وهو قول ابن عباس ، وقال مقاتل : يظهروا عليكم يصادقوكم * ( ويبسطوا إليكم أيديهم ) * بالضرب * ( وألسنتهم ) * بالشتم * ( وودوا ) * أن ترجعوا إلى دينهم ، والمعنى أن أعداء الله لا يخلصون المودة لأولياء الله لما بينهم من المباينة * ( لن تنفعكم أرحامكم ) * لما عوتب حاطب على ما فعل اعتذر بأن له أرحاماً ، وهي القرابات ، والأولاد فيما بينهم ، وليس له هناك من يمنع عشيرته ، فأراد أن يتخذ عندهم يداً ليحسنوا إلى من خلفهم بمكة من عشيرته ، فقال : * ( لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم ) * الذين توالون الكفار من أجلهم ، وتتقربون إليهم مخافة عليهم ، ثم قال : * ( يوم القيامة يفصل بينكم ) * وبين أقاربكم وأولادكم فيدخل أهل الإيمان الجنة ، وأهل الكفر النار * ( والله بما تعملون بصير ) * أي بما عمل حاطب ، ثم في الآية مباحث : الأول : ما قاله صاحب الكشاف : * ( إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ) * كيف يورد جواب الشرط مضارعاً مثله ، ثم قال : * ( وودوا ) * بلفظ الماضي نقول : الماضي وإن كان يجري في باب الشرط مجرى المضارع في علم الإعراب فإن فيه نكتة ، كأنه قيل : وودوا قبل كل شيء كفركم وارتدادكم .