فخر الدين الرازي

297

تفسير الرازي

تعالى ينزل بأسه عليهم ، فصدقه وقبل عذره ، فقال عمر : دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق ، فقال صلى الله عليه وسلم : ما يدريك يا عمر لعل الله تعالى قد اطلع على أهل بدر فقال لهم : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ، ففاضت عينا عمر ، وقال : الله ورسوله أعلم فنزلت ، وأما تفسير الآية فالخطاب في : * ( يا أيها الذين آمنوا ) * قد مر ، وكذلك في الإيمان أنه في نفسه شيء واحد وهو التصديق بالقلب أو أشياء كثيرة وهي الطاعات ، كما ذهب إليه المعتزلة ، وأما قوله تعالى : * ( لا تتخذوا عدوي وعدوكم ) * فاتخذ يتعدى إلى مفعولين ، وهما عدوي وأولياء ، والعدو فعول من عدا ، كعفو من عفا ، ولكونه على زنة المصدر أوقع على الجمع إيقاعه على الواحد ، والعداوة ضد الصداقة ، وهما لا يجتمعان في محل واحد ، في زمان واحد ، من جهة واحدة ، لكنهما يرتفعان في مادة الإمكان ، وعن الزجاج والكرابيسي * ( عدوي ) * أي عدو ديني ، وقال عليه السلام : " المرء على دين خليله ، فلينظر أحدكم من يخالل " وقال عليه السلام لأبي ذر : " يا أبا ذر أي عرا الإيمان أوثق ، فقال الله ورسوله أعلم ، فقال الموالاة في الله والحب في الله والبغض في الله " وقوله تعالى : * ( تلقون إليهم بالمودة ) * فيه مسألتان : المسألة الأولى : قوله : * ( تلقون ) * بماذا يتعلق ، نقول : فيه وجوه الأول : قال صاحب النظم : هو وصف النكرة التي هي أولياء ، قاله الفراء والثاني : قال في الكشاف : يجوز أن يتعلق بلا تتخذوا حالاً من ضميره ، وأولياء صفة له الثالث : قال ويجوز أن يكون استئنافاً ، فلا يكون صلة لأولياء ، والباء في المودة كهي في قوله تعالى : * ( ومن يرد فيه بإلحاد بظلم ) * ( الحج : 25 ) والمعنى : تلقون إليهم أخبار النبي صلى الله عليه وسلم وسره بالمودة التي بينكم وبينهم ، ويدل عليه : * ( تسرون إليهم بالمودة ) * . المسألة الثانية : في الآية مباحث الأول : اتخاذ العدو ولياً كيف يمكن ، وقد كانت العداوة منافية للمحبة والمودة ، والمحبة المودة من لوازم ذلك الاتخاذ ، نقول : لا يبعد أن تكون العداوة بالنسبة إلى أمر ، والمحبة والمودة بالنسبة إلى أمر آخر ، ألا ترى إلى قوله تعالى : * ( إن من أزواجكم وأولادكم عدواً لكم ) * ( التغابن : 14 ) والنبي صلى الله عليه وسلم قال : " أولادنا أكبادنا " الثاني : لما قال : * ( عدوي ) * فلم لم يكتف به حتى قال : * ( وعدوكم ) * لأن عدو الله إنما هو عدو المؤمنين ؟ نقول : الأمر لازم من هذا التلازم ، وإنما لا يلزم من كونه عدواً للمؤمنين أن يكون عدواً لله ، كما قال : * ( إن من أزواجكم وأولادكم عدواً لكم ) * ، الثالث : لم قال : * ( عدوي وعدوكم ) * ولم يقل بالعكس ؟ فنقول : العداوة بين المؤمن والكافر بسبب محبة الله تعالى ومحبة رسوله ، فتكون محبة العبد من أهل الإيمان لحضرة الله تعالى لعلة ، ومحبة حضرة الله تعالى للعبد لا لعلة ، لما أنه غني على الإطلاق ، فلا حاجة به إلى الغير أصلاً ، والذي لا لعلة مقدم على الذي لعلة ، ولأن الشيء إذا كان له نسبة إلى الطرفين ، فالطرف الأعلى مقدم على الطرف الأدنى ، الرابع : قال : * ( أولياء ) * ولم يقل : ولياً ، والعدو والولي بلفظ ، فنقول : كما أن المعرف بحرف التعريف