فخر الدين الرازي
294
تفسير الرازي
من أجبره ، وهي اللغة المعروفة في الإكراه ، فقال : لم أسمع فعالاً من أفعل إلا في حرفين ، وهما جبار من أجبر ، ودراك من أدرك ، وعلى هذا القول الجبار هو القهار الثالث : قال ابن الأنباري : الجبار في صفة الله الذي لا ينال ، ومنه قيل للنخلة التي فاتت يد المتناول : جبارة الرابع : قال ابن عباس : الجبار ، هو الملك العظيم ، قال الواحدي : هذا الذي ذكرناه من معاني الجبار في صفة الله ، وللجبار معان في صفة الخلق أحدها : المسلط كقوله : * ( وما أنت عليهم بجبار ) * ( ق : 45 ) ، والثاني : العظيم الجسم كقوله : * ( إن فيها قوماً جبارين ) * ( المائدة : 22 ) والثالث : المتمرد عن عبادة الله ، كقوله : * ( ولم يجعلني جباراً ) * مريم : 32 ) ، والرابع : القتال كقوله : * ( بطشتم جبارين ) * ( الشعراء : 130 ) وقوله : * ( إن تريد إلا أن تكون جباراً في الأرض ) * ( القصص : 19 ) . أما قوله : * ( المتكبر ) * ففيه وجوه أحدها : قال ابن عباس : الذي تكبر بربوبيته فلا شيء مثله وثانيها : قال قتادة : المتعظم عن كل سوء وثالثها : قال الزجاج : الذي تعظم عن ظلم العباد ورابعها : قال ابن الأنباري : المتكبرة ذو الكبرياء ، والكبرياء عند العرب : الملك ، ومنه قوله تعالى : * ( وتكون لكما الكبرياء في الأرض ) * ( يونس ) 78 ) ، واعلم أن المتكبر في حق الخلق اسم ذم ، لأن المتكبر هو الذي يظهر من نفسه الكبر ، وذلك نقص في حق الخلق ، لأنه ليس له كبر ولا علو ، بل ليس معه إلا الحقارة والذلة والمسكنة ، فإذا أظهر العلو كان كاذباً ، فكان ذلك مذموماً في حقه أما الحق سبحانه فله جميع أنواع العلو والكبرياء ، فإذا أظهره فقد أرشد العباد إلى تعريف جلاله وعلوه ، فكان ذلك في غاية المدح في حقه سبحانه ولهذا السبب لما ذكر هذا الاسم : قال : * ( سبحان الله عما يشركون ) * كأنه قيل : إن المخلوقين قد يتكبرون ويدعون مشاركة الله في هذا الوصف لكنه سبحانه منزه عن التكبر الذي هو حاصل للخلق لأنهم ناقصون بحسب ذواتهم ، فادعاؤهم الكبر يكون ضم نقصان الكذب إلى النقصان الذاتي ، أما الحق سبحانه فله العلو والعزة ، فإذا أظهره كان ذلك ضم كمال إلى كمال ، فسبحان الله عما يشركون في إثبات صفة المتكبرية للخلق . * ( هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِىءُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الاَْسْمَآءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَالاَْرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) * . ثم قال : * ( هو الله الخالق ) * والخلق هو التقدير معناه أنه يقدر أفعاله على وجوه مخصوصة ، فالخالقية راجعة إلى صفة الإرادة . ثم قال : * ( البارئ ) * وهو بمنزلة قولنا : صانع وموجد إلا أنه يفيد اختراع الأجسام ، ولذلك يقال في الخلق : برية ولا يقال في الأعراض التي هي كاللون والطعم . وأما * ( المصور ) * فمعناه أنه يخلق صور الخلق على ما يريد ، وقدم ذكر الخالق على البارئ ،