فخر الدين الرازي
291
تفسير الرازي
ثم تبرأ منه في العاقبة ، والمراد إما عموم دعوة الشيطان إلى الكفر ، وإما إغواء الشيطان قريشاً يوم بدر بقوله : * ( لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم - إلى قوله - إني بريء منكم ) * ( الأنفال : 48 ) . ثم قال : ( 17 ) * ( فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَآ أَنَّهُمَا فِى النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَآءُ الظَّالِمِينَ ) * . وفيه مسألتان : المسألة الأولى : قال مقاتل : فكان عاقبة المنافقين واليهود مثل عاقبة الشيطان والإنسان حيث صارا إلى النار . المسألة الثانية : قال صاحب الكشاف : قرأ ابن مسعود ( خالدان فيها ) ، على أنه خبران ، و ( في النار ) لغو ، وعلى القراءة المشهورة الخبر هو الظرف * ( وخالدين فيها ) * حال ، وقرئ : * ( عاقبتهما ) * بالرفع ، ثم قال : * ( وذلك جزاء الظالمين ) * أي المشركين ، لقوله تعالى : * ( إن الشرك لظلم عظيم ) * ( لقمان : 13 ) . * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ) * . ثم إنه تعالى رجع إلى موعظة المؤمنين فقال : * ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد ) * . الغد : يوم القيامة سماه باليوم الذي يلي يومك تقريباً له ، ثم ذكر النفس والغد على سبيل التنكير . أما الفائدة في تنكير النفس فاستقلال الأنفس التي تنظر فيما قدمت للآخرة كأنه قال : فلتنظر نفس واحدة في ذلك ، وأما تنكير الغد فلتعظيمه وإبهام أمره كأنه قيل : الغد لا يعرف كنهه لعظمه . ثم قال : * ( واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون ) * كرر الأمر بالتقوى تأكيداً أو يحمل الأول : على أداء الواجبات والثاني : على ترك المعاصي . * ( وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ نَسُواْ اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ) * . ثم قال تعالى : * ( ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم ) * وفيه وجهان : الأول : قال المقاتلان : نسوا حق الله فجعلهم ناسين حق أنفسهم حتى لم يسعوا لها بما ينفعهم عنده الثاني : * ( فأنساهم أنفسهم ) * أي أراهم يوم القيامة من الأهوال ما نسوا فيه أنفسهم ، كقوله : * ( لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم ) * ( إبراهيم : 43 ) * ( وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ) * ( الحج : 2 ) . ثم قال : * ( أولئك هم الفاسقون ) * والمقصود منه الذم ، واعلم أنه تعالى لما أرشد المؤمنين إلى ما هو مصلحتهم يوم القيامة بقوله : * ( ولتنظر نفس ما قدمت لغد ) * ( الحشر : 18 ) وهدد الكافرين بقوله : * ( كالذين