فخر الدين الرازي

289

تفسير الرازي

تعالى عنهم أنهم قالوا لليهود : * ( لئن أخرجتم ) * من المدينة * ( لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم ) * أي في خذلانكم * ( أحداً أبداً ) * ووعدوهم النصر أيضاً بقولهم : * ( وإن قوتلتم لننصرنكم ) * ثم إنه تعالى شهد على كونهم كاذبين في هذا القول فقال : * ( والله يشهد إنهم لكاذبون ) * . ولما شهد على كذبهم على سبيل الإجمال أتبعه بالتفصيل فقال : * ( لَئِنْ أُخْرِجُواْ لاَ يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِن قُوتِلُواْ لاَ يَنصُرُونَهُمْ وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الاَْدْبَارَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ ) * . واعلم أنه تعالى عالم بجميع المعلومات التي لا نهاية لها ، فعلم الموجودات في الأزمنة الثلاثة ، والمعدومات في الأزمنة الثلاثة ، وعلم في كل واحد من هذه الوجوه الستة ، أنه لو كان على خلاف ما وقع كيف كان يكون على ذلك التقدير ، فههنا أخبر تعالى أن هؤلاء اليهود لئن أخرجوا فهؤلاء المنافقون لا يخرجون معهم ، وقد كان الأمر كذلك ، لأن بني النضير لما أخرجوا لم يخرج معهم المنافقين ، وقوتلوا أيضاً فما نصروهم ، فأما قوله تعالى : * ( ولئن نصروهم ) * فتقديره كما يقول المعترض الطاعن في كلام الغير : لا نسلم أن الأمر كما تقول ، ولئن سلمنا أن الأمر كما تقول ، لكنه لا يفيد لك فائدة ، فكذا ههنا ذكر تعالى أنهم لا ينصرونهم ، وبتقدير أن ينصروا إلا أنهم لا بد وأن يتركوا تلك النصرة وينهزموا ، ويتركوا أولئك المنصورين في أيدي الأعداء ، ونظير هذه الآية قوله : * ( ولو علم الله فيهم خيراً لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون ) * ، فأما قوله : * ( ثم لا ينصرون ) * ففيه وجهان : الأول : أنه راجع إلى المنافقين يعني لينهزمن المنافقون : * ( ثم لا ينصرون ) * بعد ذلك أي يهلكهم الله ، ولا ينفعهم نفاقهم لظهور كفرهم والثاني : لينهزمن اليهود ثم لا ينفعهم نصرة المنافقين . ثم ذكر تعالى أن خوف المنافقين من المؤمنين أشد من خوفهم من الله تعالى فقال : * ( لاََنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِى صُدُورِهِمْ مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ ) * . أي لا يعلمون عظمة الله حتى يخشوه حق خشيته . * ( لاَ يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلاَّ فِى قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَآءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ ) * . ثم قال تعالى : * ( لا يقاتلونكم جميعاً إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر ) * يريد أن هؤلاء اليهود والمنافقين لا يقدرون على مقاتلتكم مجتمعين إلا إذا كانوا في قرى محصنة بالخنادق والدروب