فخر الدين الرازي
275
تفسير الرازي
كذبهم بالأيمان الكاذبة على علام الغيوب ، فكان هذا الحلف الذميم يبقى معهم أبداً ، وإليه الإشارة بقوله : * ( ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه ) * ( الأنعام : 28 ) قال الجبائي والقاضي : إن أهل الآخرة لا يكذبون ، فالمراد من الآية أنهم يحلفون في الآخرة أنا ما كنا كافرين عند أنفسنا ، وعلى هذا الوجه لا يكون هذا الحلف كذباً ، وقوله : * ( ألا إنهم هم الكاذبون ) * أي في الدنيا ، واعلم أن تفسير الآية بهذا الوجه لا شك أنه يقتضي ركاكة عظيمة في النظم ، وقد استقصينا هذه المسألة في سورة الأنعام في تفسير قوله : * ( والله ربنا ما كنا مشركين ) * ( الأنعام : 23 ) . * ( اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُوْلَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الخَاسِرُونَ ) * . قال الزجاج : استحوذ في اللغة استولى ، يقال : حاوزت الإبل ، وحذتها إذا استوليت عليها وجمعتها ، قال المبرد : استحوذ على الشيء حواه وأحاط به ، وقالت عائشة في حق عمر : كان أحوذياً ، أي سائساً ضابطاً للأمور ، وهو أحد ما جاء على الأصل نحو : استصوب واستنوق ، أي ملكهم الشيطان واستولى عليهم ، ثم قال : * ( فأنساهم ذكر الله أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون ) * واحتج القاضي به في خلق الأعمال من وجهين الأول : ذلك النسيان لو حصل بخلق الله لكانت إضافتها إلى الشيطان كذباً والثاني : لو حصل ذلك بخلق الله لكانوا كالمؤمنين في كونهم حزب الله لا حزب الشيطان . ثم قال تعالى : * ( إِنَّ الَّذِينَ يُحَآدُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ فِى الاَْذَلِّينَ * كَتَبَ اللَّهُ لاََغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِى إِنَّ اللَّهَ قَوِىٌّ عَزِيزٌ ) * . أي في جملة من هو أذل خلق الله ، لأن ذل أحد الخصمين على حسب عز الخصم الثاني ، فلما كانت عزة الله غير متناهية ، كانت ذلة من ينازعه غير متناهية أيضاً ، ولما شرح ذلهم ، بين عز المؤمنين فقال : * ( كتب الله لأغلبن أنا ورسلي ) * وفيه مسألتان : المسألة الأولى : قرأ نافع وابن عامر : * ( أنا ورسلي ) * بفتح الياء ، والباقون لا يحركون ، قال أبو علي : التحريك والإسكان جميعاً جائزان . المسألة الثانية : غلبة جميع الرسل بالحجة مفاضلة ، إلا أن منهم من ضم إلى الغلبة بالحجة الغلبة بالسيف ، ومنهم من لم يكن كذلك ، ثم قال : * ( إن الله قوي ) * على نصرة أنبيائه : * ( عزيز ) * غالب لا يدفعه أحد عن مراده ، لأن كل ما سواه ممكن الوجود لذاته ، والواجب لذاته يكون غالباً للممكن