فخر الدين الرازي

268

تفسير الرازي

هي سبب لحزن المؤمنين ، وذلك لأن المؤمنين إذا رأوهم متناجين ، قالوا : ما نراهم إلا وقد بلغهم عن أقربائنا وإخواننا الذين خرجوا إلى الغزوات أنهم قتلوا وهزموا ، ويقع ذلك في قلوبهم ويحزنون له . ثم قال تعالى : * ( وليس بضارهم شيئاً إلا بإذن الله ) * وفيه وجهان : أحدهما : ليس يضر التناجي بالمؤمنين شيئاً والثاني : الشيطان ليس بضارهم شيئاً إلا بإذن الله ، وقوله : * ( إلا بإذن الله ) * فقيل : بعلمه وقيل : بخلقه ، وتقديره للأمراض وأحوال القلب من الحزن والفرح ، وقيل : بأن يبين كيفية مناجاة الكفار حتى يزول الغم . ثم قال : * ( وعلى الله فليتوكل المؤمنون ) * فإن من توكل عليه لا يخيب أمله ولا يبطل سعيه . * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُواْ فِى الْمَجَالِسِ فَافْسَحُواْ يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انشُزُواْ فَانشُزُواْ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ) * . قوله تعالى : * ( يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس فافسحوا يفسح الله لكم ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما نهى عباده المؤمنين عما يكون سبباً للتباغض والتنافر ، أمرهم الآن بما يصير سبباً لزيادة المحبة والمودة ، وقوله : * ( تفسحوا في المجالس ) * توسعوا فيه وليفسح بعضكم عن بعض ، من قولهم : افسح عني ، أي تنح ، ولا تتضاموا ، يقال : بلدة فسيحة ، ومفازة فسيحة ، ولك فيه فسحة ، أي سعة . المسألة الثانية : قرأ الحسن وداود بن أبي هند : ( تفاسحوا ) ، قال ابن جني : هذا لائق بالغرض لأنه إذا قيل : ( تفسحوا ) ، فمعناه ليكن هناك تفسح ، وأما التفاسح فتفاعل ، والمراد ههنا المفاعلة ، فإنها تكون لما فوق الواحد كالمقاسمة والمكايلة ، وقرئ : * ( في المجلس ) * قال الواحدي : والوجه التوحيد لأن المراد مجلس النبي صلى الله عليه وسلم وهو واحد ، ووجه الجمع أن يجعل لكل جالس مجلس على حدة ، أي موضع جلوس . المسألة الثالثة : ذكروا في الآية أقوالاً : الأول : أن المراد مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يتضامون فيه تنافساً على القرب منه ، وحرصاً على استماع كلامه ، وعلى هذا القول ذكروا في سبب النزول وجوهاً الأول : قال مقاتل بن حيان : كان عليه السلام يوم الجمعة في الصفة ، وفي المكان ضيق ، وكان يكرم أهل بدر من المهاجرين والأنصار ، فجاء ناس من أهل بدر ، وقد سبقوا إلى المجلس ، فقاموا حيال النبي صلى الله عليه وسلم ينتظرون أن يوسع لهم ، فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يحملهم على القيام وشق ذلك على الرسول ، فقال لمن حوله من غير أهل بدر : قم يا فلان ، قم يا فلان ، فلم يزل يقيم بعدة النفر الذين هم قيام بين يديه ، وشق ذلك على من أقيم