فخر الدين الرازي

252

تفسير الرازي

كظهر أمي لمعنى مفقود في سائر الصور ، وذلك لأن اللفظ المعهود في الجاهلية هو قوله : أنت علي كظهر أمي ، ولذلك سمي ظهاراً ، فكان هذا اللفظ بسبب العرف مشعراً بالتحريم ، ولم يوجد هذا المعنى في سائر الألفاظ ، فوجب البقاء على حكم الأصل . القسم الثالث : ما إذا كان الظهر مذكوراً ولم تكن الأم مذكورة ، فهذا يدل على ثلاثة مراتب : المرتبة الأولى : أن يجري التشبيه بالمحرمات من النسب والرضاع ، وفيه قولان : القديم أنه لا يكون ظهاراً ، والقول الجديد أنه يكون ظهاراً ، وهو قول أبي حنيفة . المرتبة الثانية : تشبيهها بالمرأة المحرمة تحريماً مؤقتاً مثل أن يقول لامرأته : أنت علي كظهر فلانة ، وكان طلقها والمختار عندي أن شيئاً من هذا لا يكون ظهاراً ، ودليله ما ذكرناه في المسألة السالفة ، وحجة أبي حنيفة أنه تعالى قال : * ( والذين يظاهرون ) * وظاهر هذه الآية يقتضي حصول الظهار بكل محرم فمن قصره على الأم فقد خص والجواب : أنه تعالى لما قال بعده : * ( ما هن أمهاتهم إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم ) * دل على أن المراد هو الظهار بذكر الأم ، ولأن حرمة الأم أشد من حرمة سائر المحارم ، فنقول : المقتضي لبقاء الحل قائم على ما بيناه ، وهذا الفارق موجود ، فوجب أن لا يجوز القياس . القسم الرابع : ما إذا لم يذكر لا الظهر ولا الأم ، كما لو قال : أنت علي كبطن أختي ، وعلى قياس ما تقدم يجب أن لا يكون ذلك ظهاراً . البحث الثاني : في المظاهر ، وفيه مسألتان : المسألة الأولى : قال الشافعي رحمه الله : الضابط أن كل من صح طلاقه صح ظهاره ، فعلى هذا ظهار الذمي عنده صحيح ، وقال أبو حنيفة لا يصح ، واحتج الشافعي بعموم قوله تعالى : * ( والذين يظاهرون من نسائهم ) * وأما القياس فمن وجهين الأول : أن تأثير الظهار في التحريم والذمي أهل لذلك ، بدليل صحة طلاقه ، وإذا ثبت هذا وجب أن يصح هذا التصرف منه قياساً على سائر التصرفات الثاني : أن الكفارة إنما وجبت على المسلم زجراً له عن هذا الفعل الذي هو منكر من القور وزور ، وهذا المعنى قائم في حق الذمي فوجب أن يصح ، واحتجوا لقول أبي حنيفة بهذه الآية من وجهين الأول : احتج أبو بكر الرازي بقوله تعالى : * ( والذين يظاهرون منكم من نسائهم ) * وذلك خطاب للمؤمنين فيدل على أن الظهار مخصوص بالمؤمنين الثاني : من لوازم الظهار الصحيح ، وجوب الصوم على العائد العاجز عن الإعتاق بدليل قوله تعالى : * ( والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا - إلى قوله - فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين ) * ( المجادلة : 3 - 4 ) وإيجاب الصوم على الذمي ممتنع ، لأنه لو وجب لوجب ، إما مع الكفر وهو باطل بالإجماع ، أو بعد الإيمان وهو باطل ، لقوله عليه السلام : " الإسلام يجب ما قبله " والجواب : عن الأول