فخر الدين الرازي
250
تفسير الرازي
البحث الثاني : أن الظهار كان من أشد طلاق الجاهلية ، لأنه في التحريم أوكد ما يمكن ، وإن كان ذلك الحكم صار مقرراً بالشرع كانت الآية ناسخة له ، وإلا لم يعد نسخاً ، لأن النسخ إنما يدخل في الشرائع لا في عادة الجاهلية ، لكن الذي روى أنه صلى الله عليه وسلم قال لها : " حرمت " أو قال : " ما أراك إلا قد حرمت " كالدلالة على أنه كان شرعاً . وأما ما روي أنه توقف في الحكم فلا يدل على ذلك . البحث الثالث : أن هذه الواقعة تدل على أن من انقطع رجاؤه عن الخلق ، ولم يبق له في مهمه أحد سوى الخالق كفاه الله ذلك المهم ، ولنرجع إلى التفسير ، أما قوله : * ( قد سمع الله ) * ففيه مسألتان : المسألة الأولى : قوله : * ( قد ) * معناه التوقع ، لأن رسول الله والمجادلة كانا يتوقعان أن يسمع الله مجادلتها وشكواها ، وينزل في ذلك ما يفرج عنها . المسألة الثانية : كان حمزة يدغم الدال في السين من : * ( قد سمع ) * وكذلك في نظائره ، واعلم أن الله تعالى حكى عن هذه المرأة أمرين أولهما : المجادلة وهي قوله : * ( تجادلك في زوجها ) * أي تجادلك في شأن زوجها ، وتلك المجادلة أنه عليه الصلاة والسلام كلما قال لها : " حرمت عليه " قالت : والله ما ذكر طلاقاً وثانيهما : شكواها إلى الله ، وهو قولها : أشكو إلى الله فاقتي ووجدي ، وقولها : إن لي صبية صغاراً ، ثم قال سبحانه : * ( والله يسمع تحاوركما ) * والمحاورة المراجعة في الكلام ، من حار الشيء يحور حوراً ، أي رجع يرجع رجوعاً ، ومنها نعوذ بالله من الحور بعد الكور ، ومنه فما أحار بكلمة ، أي فما أجاب ، ثم قال : * ( إن الله سميع بصير ) * أي يسمع كلام من يناديه ، ويبصر من يتضرع إليه . * ( الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُمْ مِّن نِّسَآئِهِمْ مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ اللاَّئِى وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَراً مِّنَ الْقَوْلِ وَزُوراً وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ ) * . قوله تعالى : * ( الذين يظاهرون منكم من نسائهم ما هن أمهاتهم ) * اعلم أن قوله : * ( الذين يظاهرون ) * فيه مسألتان : المسألة الأولى : ما يتعلق بالمباحث اللغوية والفقهية ، فنقول في هذه الآية بحثان . أحدهما : أن الظهار ما هو ؟ . الثاني : أن المظاهر من هو ؟ وقوله : * ( من نسائهم ) * فيه بحث : وهو أن المظاهر منها من هي ؟ . أما البحث الأول : وهو أن الظهار ما هو ؟ ففيه مقامان : المقام الأول : في البحث عن هذه اللفظة بحسب اللغة وفيه قولان : أحدهما : أنه عبارة عن قول الرجل لامرأته : أنت علي كظهر أمي ، فهو مشتق من الظهر .