فخر الدين الرازي
25
تفسير الرازي
غشاها عليهم السبب ، بمعنى أن الله غضب عليهم بسببه ، يقال لمن أغضب ملكاً بكلام فضربه الملك كلامك الذي ضربك . ثم قال تعالى : * ( فَبِأَىِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى ) * . قيل هذا أيضاً مما في الصحف ، وقيل هو ابتداء كلام والخطاب عام ، كأنه يقول : بأي النعم أيها السامع تشك أو تجادل ، وقيل : هو خطاب مع الكافر ، ويحتمل أن يقال مع النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا يقال : كيف يجوز أن يقول للنبي صلى الله عليه وسلم : * ( تتمارى ) * لأنا نقول هو من باب : * ( لئن أشركت ليحبطن عملك ) * ( الزمر : 65 ) يعني لم يبق فيه إمكان الشك ، حتى أن فارضاً لو فرض النبي صلى الله عليه وسلم ممن يشك أو يجادل في بعض الأمور الخفية لما كان يمكنه المراء في نعم الله والعموم هو الصحيح كأنه يقول : بأي آلاء ربك تتمارى أيها الإنسان ، كما قال : * ( يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم ) * ( الانفطار : 6 ) وقال تعالى : * ( وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً ) * ( الكهف : 54 ) فإن قيل : المذكور من قبل نعم والآلاء نعم ، فكيف آلاء ربك ؟ نقول : لما عد من قبل النعم وهو الخلق من النطفة ونفخ الروح الشريفة فيه والإغناء والإقناء ، وذكر أن الكافر بنعمه أهلك قال : * ( فبأي آلاء ربك تتمارى ) * فيصيبك مثل ما أصاب الذين تماروا من قبل ، أو تقول : لما ذكر الإهلاك ، قال للشاك : أنت ما أصابك الذي أصابهم وذلك بحفظ الله إياك : * ( فبأي آلاء ربك تتمارى ) * وسنزيده بياناً في قوله : * ( فبأي آلاء ربكما تكذبان ) * ( الرحمن : 13 ) في مواضع ثم قال تعالى : * ( هَذَا نَذِيرٌ مِّنَ النُّذُرِ الاُْوْلَى ) * . وفيه مسائل : المسألة الأولى : المشار إليه بهذا ماذا ؟ نقول فيه وجوه أحدها : محمد صلى الله عليه وسلم من جنس النذر الأولى ثانيها : القرآن ثالثها : ما ذكره من أخبار المهلكين ، ومعناه حينئذ هذا بعض الأمور التي هي منذرة ، وعلى قولنا : المراد محمد صلى الله عليه وسلم فالنذير هو المنذر و * ( من ) * لبيان الجنس ، وعلى قولنا : المراد هو القرآن يحتمل أن يكون النذير بمعنى المصدر ، ويحتمل أن يكون بمعنى الفاعل ، وكون الإشارة إلى القرآن بعيد لفظاً ومعنى ، أما معنى : فلأن القرآن ليس من جنس الصحف الأولى لأنه معجز وتلك لم تكن معجزة ، وذلك لأنه تعالى لما بين الوحدانية وقال : * ( فبأي آلاء ربك تتمارى ) * قال : * ( هذا نذير ) * إشارة إلى محمد صلى الله عليه وسلم وإثباتاً للرسالة ، وقال بعد ذلك : * ( أزفت الآزفة ) * إشارة إلى القيامة ليكون في الآيات الثلاث المرتبة إثبات أصول ثلاث مرتبة ، فإن الأصل الأول هو الله ووحدانيته ثم الرسول ورسالته ثم الحشر والقيامة ، وأما لفظاً فلأن النذير إن كان كاملاً ، فما ذكره من حكاية المهلكين أولى لأنه أقرب ويكون على هذا من بقي على حقيقة التبعيض أي هذا الذي ذكرنا بعض ما جرى ونبذ مما وقع ، أو يكون