فخر الدين الرازي
230
تفسير الرازي
ابن جبان : الأمد ههنا الأمل البعيد ، والمعنى على هذا طال عليهم الأمد بطول الأمل ، أي لما طالت آمالهم لا جرم قست قلوبهم وخامسها : قال مقاتل بن سليمان : طال عليهم أمد خروج النبي عليه السلام وسادسها : طال عهدهم بسماع التوراة والإنجيل فزال وقعهما عن قلوبهم فلا جرم قست قلوبهم ، فكأنه تعالى نهى المؤمنين عن أن يكونوا كذلك ، قاله القرظي . المسألة الثانية : قرىء ( الأمد ) بالتشديد ، أي الوقت الأطول ، ثم قال : * ( وكثير منهم فاسقون ) * أي خارجون عن دينهم رافضون لما في الكتابين ، وكأنه إشارة إلى أن عدم الخشوع في أول الأمر يفضي إلى الفسق في آخر الأمر . ثم قال تعالى : * ( اعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يُحْىِ الاَْرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الاَْيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) * . وفيه وجهان الأول : أنه تمثيل والمعنى أن القلوب التي ماتت بسبب القساوة ، فالمواظبة على الذكر سبب لعود حياة الخشوع إليها كما يحيي الله الأرض بالغيث والثاني : أن المراد من قوله : * ( يحيي الأرض بعد موتها ) * بعث الأموات فذكر ذلك ترغيباً في الخشوع والخضوع وزجراً عن القساوة . ثم قال تعالى : * ( إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُواْ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ ) * . وفيه مسائل : المسألة الأولى : قال أبو علي الفارسي : قرأ ابن كثير وعاصم في رواية أبي بكر : * ( إن المصدقين والمصدقات ) * بالتخفيف ، وقرأ الباقون وحفص عن عاصم : * ( إن المصدقين والمصدقات ) * بتشديد الصاد فيهما ، فعلى القراءة الأولى يكون معنى المصدق المؤمن ، فيكون المعنى : * ( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) * لأن إقراض الله من الأعمال الصالحة ، ثم قالوا : وهذه القراءة أولى لوجهين الأول : أن من تصدق لله وأقرض إذا لم يكن مؤمناً لم يدخل تحت الوعد ، فيصير ظاهر الآية متروكاً على قراءة التشديد ، ولا يصير متروكاً على قراءة التخفيف والثاني : أن المتصدق هو الذي يقرض الله ، فيصير قوله : * ( إن المصدقين والمصدقات ) * وقوله : * ( وأقرضوا الله ) * شيئاً واحداً وهو تكرار ، أما على قراءة التخفيف فإنه لا يلزم التكرار ، وحجة من نقل وجهان أحدهما : أن في قراءة أبي : * ( إن المتصدقين والمتصدقات ) * بالتاء والثاني : أن قوله : * ( وأقرضوا الله قرضاً حسناً ) * اعتراض بين الخبر والمخبر عنه ، والاعتراض بمنزلة الصفة ، فهو للصدقة أشد ملازمة