فخر الدين الرازي
224
تفسير الرازي
الفارسي لفظ النظر يستعمل على ضروب أحدها : أن تريد به نظرت إلى الشيء ، فيحذف الجار ويوصل الفعل ، كما أنشد أبو الحسن : ظاهرات الجمال والحسن ينظرن * كما ينظر الأراك الظباء والمعنى ينظرن إلى الأراك وثانيها : أن تريد به تأملت وتدبرت ، ومنه قولك : إذهب فانظر زيداً أيؤمن ، فهذا يراد به التأمل ، ومنه قوله تعالى : * ( انظر كيف ضربوا لك الأمثال ) * ( الأسراء : 48 ) ، * ( انظر كيف يفترون على الله الكذب ) * ( النساء : 50 ) ، * ( انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض ) * ( الإسراء : 21 ) قال : وقد يتعدى هذا بإلى كقوله : * ( أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت ) * ( الغاشية : 17 ) وهذا نص على التأمل ، وبين وجه الحكمة فيه ، وقد يتعدى بفي ، كقوله : * ( أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض ) * ( الأعراف : 185 ) ، * ( ولم يتفكروا في أنفسهم ) * ( الروم : 8 ) وثالثها : أن يراد بالنظر الرؤية كما في قوله : ولما بدا حوران والآل دونه * نظرت فلم تنظر بعينك منظراً والمعنى نظرت ، فلم تر بعينك منظراً تعرفه في الآل قال : إلا أن هذا على سبيل المجاز ، لأنه دلت الدلائل على أن النظر عبارة عن تقلب الحدقة نحو المرئي التماساً لرؤيته ، فلما كانت الرؤية من توابع النظر ولوازمه غالباً أجرى على الرؤية لفظ النظر على سبيل إطلاق اسم السبب على المسبب قال : ويجوز أن يكون قوله : نظرت فلم تنظر ، كما يقال : تكلمت وما تكلمت ، أي ما تكلمت بكلام مفيد ، فكذا هنا نظرت وما نظرت نظراً مفيداً ورابعها : أن يكون النظر بمعنى الانتظار ، ومنه قوله تعالى : * ( إلى طعام غير ناظرين إناه ) * ( الأحزاب : 53 ) أي غير منتظرين إدراكه وبلوغه ، وعلى هذا الوجه يكون نظرت معناه انتظرت ، ومجئ فعلت وافتعلت بمعنى واحد كثير ، كقولهم : شويت واشتويت ، وحقرت واحتقرت ، إذا عرفت هذا فقوله : * ( أنظرونا ) * يحتمل وجهين الأول : أنظرونا ، أي انتظرونا ، لأنه يسرع بالمؤمنين إلى الجنة كالبروق الخاطفة ، والمنافقون مشاة والثاني : أنظرونا أي أنظروا إلينا ، لأنهم إذا نظروا إليهم استقبلوهم بوجوههم ، والنور بين أيديهم فيستضيئون به ، وأما قراءة ( أنظرونا ) مكسورة الظاء فهي من النظرة والإمهال ، ومنه قوله تعالى : * ( أنظرني إلى يوم يبعثون ) * ( الحجر : 36 ) وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بإنظار المعسر ، والمعنى أنه جعل اتئادهم في المشي إلى أن يلحقوا بهم إنظاراً لهم . واعلم أن أبا عبيدة والأخفش كانا يطعنان في حصة هذه القراءة ، وقد ظهر الآن وجه صحتها . المسألة الثالثة : اعلم أن الاحتمالات في هذا الباب ثلاثة أحدها : أن يكون الناس كلهم في الظلمات ، ثم إنه تعالى يعطي المؤمنين هذه الأنوار ، والمنافقون يطلبونها منهم وثانيها : أن تكون الناس كلهم في الأنوار ، ثم إن المؤمنين يكونون في الجنات فيمرون سريعاً ، والمنافقون يبقون وراءهم فيطلبون منهم الانتظار وثالثها : أن يكون المؤمنون في النور والمنافقون في الظلمات ، ثم المنافقون يطلبون النور مع المؤمنين ، وقد ذهب إلى كل واحد من هذه الاحتمالات قوم ، فإن كانت هذه الحالة إنما تقع