فخر الدين الرازي
221
تفسير الرازي
المسلمين وقتال الكافرين ومواساة فقراء المسلمين ، وسمى ذلك الإنفاق قرضاً من حيث وعد به الجنة تشبيهاً بالقرض . المسألة الثالثة : اختلفوا في المراد من هذا الإنفاق ، فمنهم من قال : المراد الإنفاقات الواجبة ، ومنهم من قال : بل هو في التطوعات ، والأقرب دخول الكل فيه . المسألة الرابعة : ذكروا في كون القرض حسناً وجوهاً أحدها : قال مقاتل : يعني طيبة بها نفسه وثانيها : قال الكلبي : يعني يتصدق بها لوجه الله وثالثها : قال بعض العلماء : القرض لا يكون حسناً حتى يجمع أوصافاً عشرة الأول : أن يكون من الحلال قال عليه الصلاة والسلام : " إن الله طيب لا يقبل إلا الطيب " وقال عليه الصلاة والسلام : " لا يقبل الله صلاة بغير طهور ، ولا صدقة من غلول " والثاني : أن يكون من أكرم ما يملكه دون أن ينفق الردئ ، قال الله تعالى : * ( ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ) * ( البقرة : 267 ) ، الثالث : أن تتصدق به وأنت تحبه وتحتاج إليه بأن ترجو الحياة وهو المراد بقوله تعالى : * ( وآتى المال على حبه ) * ( البقرة : 177 ) وبقول : * ( ويطعمون الطعام على حبه ) * ( الإنسان : 8 ) على أحد التأويلات وقال عليه الصلاة والسلام : " الصدقة أن تعطي وأنت صحيح شحيح تأمل العيش ، ولا تمهل حتى إذا بلغت التراقي قلت لفلان كذا ولفلان كذا " والرابع : أن تصرف صدقتك إلى الأحوج الأولى بأخذها ، ولذلك خص الله تعالى أقواماً بأخذها وهم أهل السهمان الخامس : أن تكتم الصدقة ما أمكنك لأنه تعالى قال : * ( وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ) * ( البقرة : 271 ) ، السادس : أن لا تتبعها مناً ولا أذى ، قال تعالى : * ( لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى ) * ( البقرة : 264 ) ، السابع : أن تقصد بها وجه الله ولا ترائي ، كما قال : * ( إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى * ولسوف يرضى ) * ( الليل : 20 ، 21 ) ولأن المرائي مذموم بالاتفاق الثامن : أن تستحقر ما تعطي وإن كثر ، لأن ذلك قليل من الدنيا ، والدنيا كلها قليلة ، وهذا هو المراد من قوله تعالى : * ( ولا تمنن تستكثر ) * ( المدثر : 6 ) في أحد التأويلات التاسع : أن يكون من أحب أموالك إليك ، قال تعالى : * ( لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ) * ( آل عمران : 92 ) ، العاشر : أن لا ترى عز نفسك وذل الفقير ، بل يكون الأمر بالعكس في نظرك ، فترى الفقير كأن الله تعالى أحال عليك رزقه الذي قبله بقوله : * ( وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ) * ( هود : 6 ) وترى نفسك تحت دين الفقير ، فهذه أوصاف عشرة إذا اجتمعت كانت الصدقة قرضاً حسناً ، وهذه الآية مفسرة في سورة البقرة . ثم إنه تعالى قال : * ( فيضاعفه له وله أجر كريم ) * وفيه مسألتان : المسألة الأولى : أنه تعالى ضمن على هذا القرض الحسن أمرين أحدهما : المضاعفة على ما ذكر في سورة البقرة ، وبين أن مع المضاعفة له أجر كريم ، وفيه قولان : الأول : وهو قول أصحابنا أن المضاعفة إشارة إلى أنه تعالى يضم إلى قدر الثواب مثله من التفضيل والأجر الكريم