فخر الدين الرازي

219

تفسير الرازي

المسألة الثالثة : قال الكلبي : نزلت هذه الآية في فضل أبي بكر الصديق ، لأنه كان أول من أنفق المال على رسول الله في سبيل الله ، قال عمر : " كنت قاعداً عند النبي صلى الله عليه وسلم وعنده أبو بكر وعليه عباءة قد خللها في صدره بخلال ، فنزل جبريل عليه الصلاة والسلام ، فقال : مالي أرى أبا بكر عليه عباءة خللها في صدره ؟ فقال : أنفق ماله علي قبل الفتح " . واعلم أن الآية دلت على أن من صدر عنه الإنفاق في سبيل الله ، والقتال مع أعداء الله قبل الفتح يكون أعظم حالاً ممن صدر عنه هذان الأمران بعد الفتح ، ومعلوم أن صاحب الإنفاق هو أبو بكر ، وصاحب القتال هو علي ، ثم إنه تعالى قدم صاحب الإنفاق في الذكر على صاحب القتال ، وفيه إيماء إلى تقديم أبي بكر ، ولأن الإنفاق من باب الرحمة ، والقتال من باب الغضب ، وقال تعالى : " سبقت رحمتي غضبي " فكان السبق لصاحب الإنفاق ، فإن قيل : بل صاحب الإنفاق هو علي ، لقوله تعالى : * ( ويطعمون الطعام ) * ( الإنسان : 8 ) قلنا : إطلاق القول بأنه أنفق لا يتحقق إلا إذا أنفق في الوقائع العظيمة أموالاً عظيمة ، وذكر الواحدي في البسيط أن أبا بكر كان أول من قاتل على الإسلام ، ولأن علياً في أول ظهور الإسلام كان صبياً صغيراً ، ولم يكن صاحب القتال وأما أبا بكر فإنه كان شيخاً مقدماً ، وكان يذب عن الإسلام حتى ضرب بسببه ضرباً أشرف به على الموت . المسألة الرابعة : جعل علماء التوحيد هذه الآية دالة على فضل من سبق إلى الإسلام ، وأنفق وجاهد مع الرسول صلى الله عليه وسلم قبل الفتح ، وبينوا الوجه في ذلك وهو عظم موقع نصرة الرسول عليه الصلاة والسلام بالنفس ، وإنفاق المال في تلك الحال ، وفي عدد المسلمين قلة ، وفي الكافرين شوكة وكثرة عدد ، فكانت الحاجة إلى النصرة والمعاونة أشد بخلاف ما بعد الفتح ، فإن الإسلام صار في ذلك الوقت قوياً ، والكفر ضعيفاً ، ويدل عليه قوله تعالى : * ( والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار ) * ( التوبة : 100 ) وقوله عليه الصلاة والسلام : " لا تسبوا أصحابي ، فلو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه " . ثم قال تعالى : * ( وكلا وعد الله الحسنى والله بما تعملون خبير ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : أي وكل واحد من الفريقين * ( وعد الله بالحسنى ) * أي المثوبة الحسنى ، وهي الجنة مع تفاوت الدرجات . المسألة الثانية : القراءة المشهورة * ( وكلا ) * بالنصب ، لأنه بمنزلة : زيداً وعدت خيراً ، فهو مفعول وعد ، وقرأ ابن عامر : ( وكل ) بالرفع ، وحجته أن الفعل إذا تأخر عن مفعوله لم يقع عمله فيه ، والدليل عليه أنهم قالوا : زيد ضربت ، وكقوله في الشعر :